قُلْتُ : ومَا غَمْصُ الخَلْقِ وسَفَهُ الحَقِّ ؟ قَالَ يَجْهَلُ الحَقَّ ويَطْعُنُ عَلَى أَهْلِهِ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ نَازَعَ اللهَ عَزَّ وجَلَّ رِدَاءَهُ ]
« 1 » .
[ 32 ] ولكي نتخلَّص من الكفر والاستكبار والإجرام يجب أن نجعل الحق هو المحور ، وأن نتذكر بالآخرة ، ونخشى الجزاء فيها .
وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا لم ينكرون الآخرة على شدة وضوحها ، فالإنسان يرى بفطرته أن الجزاء واقع ، كما يرى تحقيق ذلك في الدنيا ، فمن يظلم يبتليه الله ، بينما يحصل المحسن على جزاء حسن ، ولكنه يرى أن سنَّة الجزاء ليست دائمة في الدنيا ولا وافية مما يهديه إلى يوم الجزاء الأوفى .
وحين يراجع قلبه يراه مقتنعا به ، إلا أنه يجحد به لاستكباره عنادا وعتوا ، ويتساءل : ما الساعة ؟ أيان مرساها ، وما أشراطها ، وكيف يبعث الله الرميم ، وكيف تتمثل الأعمال فيها تمثلا ؟
قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ كذلك يجعلون جهلهم بالساعة ( كيف ومتى . . ) عذرا لإنكارها ، بينما العقل يدعوهم إلى الإيمان بالحقيقة إذا توافرت لديهم الشواهد ، ثم السعي لمعرفة المزيد من تفاصيلها . أرأيت لو تكاملت الحجة على وجود مدينة في أقصى الشرق ، ولكن لا تعرف عنها شيئا كثيرا ، فهل تنكر وجودها رأسا أم تعترف بها ثم تبحث عن التفاصيل ؟
والواقع : أن كثيرا من الناس ينكرون حقائق الرسالة لأنهم لا يعرفون التفاصيل عنها ، بل تراهم يعادونها بمجرد جهلهم بأبعادها ، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام :
[ النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا ]
« 2 » .
إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ هكذا شككوا أنفسهم حتى زعموا أنهم لا يملكون إلا الظن دون اليقين ، ولكن هَبْ أنهم يظنون أفلا تدعوهم عقولهم إلى أخذ الحيطة والحذر ؟ ! فالظن ليس مبررا للجحود بالساعة . أوَلَيس مجرد الظن بوجود أسد في الغابة كافيا لأخذ الحيطة ؟ وكذا الظن بالساعة يجب أن يدفعنا إلى تجنب خطرها .
[ 33 ] وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا سيئات الأعمال هي حقائقها ، غير البادية يوم الدنيا ، تبدو لهم لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ ق : 22 ] ، بأن
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ص 310 .
( 2 ) نهج البلاغة : حكمة 447 .