تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
الناس من بعد موسى عليه السلام كما اختلفوا بعد نبينا محمد صلى الله عليه وآله بغيا بينهم ، وليس لنقص في عوامل الوحدة المتوافرة لديهم من عند الله سبحانه . ولعل سبب المقارنة بين بني إسرائيل والأمة الإسلامية يوجز في أمرين : الأول : ما سبق من حديث الرسول الدال على أن الأمة الإسلامية ستحذو حَذْوَ بني إسرائيل حَذْوَ القِذَّة بالقِذَّة ، والنَّعل بالنَّعل ، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه . الثاني : للدلالة على أن ما جرى عند بني إسرائيل يشبه القانون الاجتماعي أو السنة الحياتية التي تتكرر عادة بين الأمم إلا من عصم الله . ونستوحي من هذه الآيات بصيرتين : الأولى : لقد وفَّر الله لبني إسرائيل كل أسباب السعادة ، فأعطاهم الكتاب والحكم والنبوة ، وفضلهم على العالمين ، وآتاهم بينات من الأمر ، وأعطاهم العلم والوعي ، ولكنهم اختلفوا من بعد ذلك بغيا ، وجرُّوا على أنفسهم الويلات ، مما يدلُّ على أن البغي ليس ذا طابع فردي ، لأن من يظلم يشجع الآخرين على الظلم ، وتنتشر عادة البغي حتى يظن كل واحد أن من [ لا يظلم الناس يظلم ] « 1 » ، أو [ إذا لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب ] . ثم إن الظالم لا يلبث أن يبحث عن فلسفة لظلمه ، ومحور يجتمع الظالمون حوله ، وينظمون ويسنُّون شرائع له ، وينصبون له أعلاما يدعون الناس إلى الرضوخ له ، وهكذا يبدو الظلم عملا فرديا يرعاه الحرص والتعالي ، وسرعان ما يتحول إلى تيار اجتماعي منظم ، له مؤسساته وقوانينه ودعائمه وقياداته و . . ، حتى يصبح الناس فريقين : طبقة ظالمة مستكبرة متسلطة ، وطبقة مظلومة مستضعفة مقهورة ، وتلك الطبقة قد تختلف صورها ، ولكن جوهرها واحد ، كأن تتسمَّى باللوبي ، أو الإقطاعيين ، أو اتحاد الشركات ، أو الحكومة ، وغير ذلك . الثانية : وحينما ينحرف الناس ، وتتسلط عليهم طبقة مستكبرة مستضعفة ، تظلل الناس بسحابة سوداء من الإرهاب والإعلام المضلل ، لا بد أن يقف الصالحون ؛ أنبياء كانوا أم تابعين لهم - متسلحين بالشجاعة والاستقامة ، ويرفعوا أصابعهم إلى السماء مشيرين إلى الله الواحد الأحد ، فإذا رأى الله منهم الصبر على البلاء نصرهم بعزته .
هامش
( 1 ) إشارة إلى قول الشاعر زهير :ومن لا يزد عن حوضه بسلاحه * يهدم ومن لا يظلم الناس يظلمبحارالأنوار ، ج 32 ، ص 409 .