تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
أهوائه ، وعلى الضغوط التي تحيط به . وفي الوقت الذي حدثتنا هذه السورة عمن صرعتهم هذه الفتنة ، فراحوا يعتزون بقوتهم ويتحدون ربهم ويعتزون بآلهتهم التي تمثل رموز سلطتهم ، ويخالفون ولاية الله باسمها وهم الملأ من الكفار ، يضرب لنا هذا الدرس القرآني مثلا حيا من واقع داود عليه السلام الذي تجاوز هذه الفتنة . فبالرغم من أنه امتلك القوة الظاهرية في الأرض ، كما سخرت له الطيور والجبال والحديد ، إلا إنه لم يغتر بقوته بل صار يتقرب إلى الله اللحظة بعد اللحظة من خلال تسبيحه المستمر وآنئذ جعله الله خليفة في الأرض تشريعيا وواقعيا . ونستوحي من إعطاء الله السلطة وولاية الأمر لنبيه داود عليه السلام بعد استقامته على الحق ، أنه تعالى لا يعطي ولايته إلى كل سلطان ، إنما للذين يمتلكون ناصية الملك ولا تمتلكهم . بينات من الآيات : [ 16 ] عادة ما يستعجل الكفار عذاب الله ، ويتحدون الأنبياء قائلين : إذا كانت دعوتكم صادقة فاسألوا ربكم أن يصب علينا العذاب . والسياق القرآني في هذه السورة يترك إجابة تحدِّي الكافرين ، ويوجهنا إلى دراسة التاريخ ، لأنه تعالى أجرى الحياة وفق سنن حددها واختارها بعلمه وحكمته ، ولن يغيرِّ الله سننه كلما تحداها الجاهلون فهو يدير شؤون الخليقة حسب الحكمة لا حسب ردود الفعل تعالى ربنا عن ذلك علوا كبيرا ، بلى قد يغيرِّ الله سُنَّة ما في ظروف خاصة لأن ربنا لا يعجزه شيء وأمره فوق السنن والقوانين ، ولكنه مع ذلك يتصرف بعلم وحكمة . وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ والقِط الحظ والنصيب فهؤلاء يسألون الله أن يوافيهم بما يستحقون من العذاب لكي يكتشفوا أنهم فعلا على الباطل . ولكن الله لا يستجيب لهذه الدعوة دائما وذلك لأمور : الأول : أنه عز وجل رحيم بعباده ، فلو قادهم الجهل يوما إلى الكفر والتحدي لا يأخذهم بالعذاب ، وذلك أن الإنسان قد يجهل حينا ثم يكتشف خطأه ويعود إلى ربه . الثاني : لأن ذلك يخالف حكمة الحياة ، فالله خلقها للامتحان وذلك يقتضي أن لا يكون العذاب مباشرة بعد الذنب ، ولو فعل الله ذلك لما عصاه أحد ، ولكن الطاعة التي يريدها الله هي التي تكون بدافع المعرفة به ، والخوف من مستقبل المعصية ، والتطلع إلى نتائج الطاعة . يقول تعالى : وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ يونس : 99 ] .