تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
ومن الصعب على البشر أن يجمع بين هاتين الصفتين ، لأن صاحب القوة عادة ما تستهويه زخارف الحياة ويركض وراءها ، حتى ولو خالفت الحق . وكما يحتاج المؤمن للقوة حتى ينفذ خططه في الحياة ويبلغ أهدافه وتطلعاته ، فإنه يحتاج إلى الإيمان ، وذلك لكي يعود تائبا إلى ربه بدافع الإيمان كلما جرَّته القوة إلى ساحل الغرور والمعصية . [ 18 - 19 ] وتحدثنا الآيات عن جانب من القوة التي بلغها داود عليه السلام في حكمه ، فقد أخضع له الحياة بشقيها الجامد والمتحرك ، وهكذا تخضع الحياة إلى كل من يتبع الحق ، لأنه بالإضافة إلى قوة الغيب التي تعينه حينذاك ، يهتدي به إلى الأسباب والقوانين التي يمكنه تسخيرها ، فلقد سقطت الحجب بينه وبين حقائق الخليقة ، فإذا بها تستجيب له . إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ وكل شيء يسبح الله بصورة مستمرة ، ولكن لا نفقه تسبيحه كما يقول تعالى : تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً [ الإسراء : 44 ] . وقد جعل الله الجبال تسبح عندما يسبح داود عليه السلام ولعلنا نستوحي من الآية أنه أعطي الطاقات الموجودة فيها ، كالأحجار الكريمة والوقود . وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ يعني مجموعة له يستفيد منها كيفما يشاء . وربما كان الإنسان قديما يستغرب لو سمع بهذه الآيات ، أما وقد تقدمت البشرية في العلم ، فهي تعتمد الآن الجبال في كثير من الشؤون ، كما أن هناك محاولات - نجح الكثير منها - للاستفادة من الطيور في مجالات الحياة المختلفة ، وتوجد الآن تجارب جادة للاستعانة بها في الشؤون الطبية والعسكرية ، ومن قصة سليمان عليه السلام التي مرت في سورة سبأ يتبين أنه كان عليه السلام يبعثها للاستكشاف . [ 20 ] وبالإضافة إلى هذه القوى المادية والإمكانات التي تدخل كعنصر فعال في سيطرة داود وسلطانه ، كان الله يزيده قوة وتمكنا يوما بعد يوم ، ولو كان ظالما لما زاده مرور الأيام إلا ضعفا وَوَهنا . وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ بمختلف أٍسباب القوة هذا من الناحية المادية . أما من الناحية التشريعية والإدارية فقد أعطي ما يقوي حكمه وسلطانه أيضا . قال تعالى : وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ والحكمة تعني أن يحيط الإنسان علما بالخليقة وبنفسه ويعرف : كيف يتصرف فيها تصرفا سليما . أما فصل الخطاب فهو الكلام الذي يفهم الطرف الآخر الحقيقة بما يقطع دابر الشك ، ويزيل حجاب الجهل فداود عليه السلام إذا يصيب الحق بحكمه ويبينه أفضل البيان بخطابه ، وهذان الأمران من أهم ما يلزم المدير المسؤول سواء في موقع خطير كالولاية ، أو أقل من ذلك كالأسرة والمؤسسة الاجتماعية أو غيرها . والنصوص الإسلامية تؤكد على ضرورة اختيار الأسلوب الأنسب كما تؤكد على المحتوى يقول تعالى : ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [ النحل : 125 ] .