ينعكس شكه على جزئيات الإيمان وكلياته .
الثاني : عدم خوفهم من العذاب ، لأنهم لم يتذوقوه ، ولم يستفيدوا من تجربة الذين وقعوا فيه قبلهم . بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ ويستفاد من لَمَّا أن عذابهم مرتقب .
[ 9 - 10 - 11 ] الثالث : غرور المال والقوة اللذان أحاطا بهم ، فصاروا ينظرون إلى جميع الأمور من خلالهما ، فإذا بهم لا يرون حاجة للرسالة في أنفسهم . ويحطم ربنا كبرياءهم هذا عن طريق مقارنة ما بحوزتهم بما عند الله من الملك والقوة . أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ كلا . . ومن خزائن الله الرسالة التي ينزلها على من يشاء من عباده المخلصين . ثم إن الذي عندهم مهدد بأن يسلبه الله بعزته ، بل هو هبة من الله لهم وليس ملكا ذاتيا . ثم لندع مقايسة ما يملكه هؤلاء بما عند الله ، ولننظر ماذا يملكون من ظاهر الحياة الذي هو جزء ضئيل من ملكه تعالى : أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وربنا يذكر هؤلاء بحقارة ما يملكون وعظمة ما يملكه الله ، لأنهم - كما تقدمت الإشارة - يعتمدون على منطق القوة ، فأراد الله أن يوضح لهم بأنه الغالب في قوة المنطق وفي منطق القوة أيضا .
إن هذا الإنسان الذي يتمالكه الغرور فيتحدى ربَّه أَضعف ما يكون عن تحمل أدنى تحد فالسلطان المتكبر يقتله الله بجرثوم تعجز أحدث الأجهزة عن اكتشافه ، وقد يسلب منه كل ما يملك بين عشية وضحاها . ومما يذكر في التاريخ أن الناس ثاروا على خليفة من الخلفاء العباسيين ففقؤوا عينه ، وجردوه من ملابسه وصادروا كل ما تملكه من أموال المسلمين ، حتى وقف يتسول على باب المسجد من الناس .
وربنا من فوق عرشه يتحدى المتكبرين ؛ يقول : اجمعوا قواكم المادية والبشرية والعلمية ، وابحثوا عن كل سبب من أسباب القدرة ، فإن مصيركم لن يكون إلا كمصير الأقوام السابقة ، حيث كذبت الرسل وتحدت الحق فدمرها الله . فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ ( 10 ) جُندٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنْ الأَحْزَابِ فمهما اعتمدوا على أسباب القوة ( العدد والعدة والخبرة ) فإن المؤسسات العسكرية تنهار بفعل الإرادة الإلهية المباشرة أو المتجلية على أيدي المؤمنين . وجند مبتدأ ، ومَا أداة للتقليل أراد بها الله تحقير قوتهم ، وهنالك إشارة للمكان البعيد الذي قد يستخدم للتحقير أيضا ، فيكون المعنى كقولنا أن هنالك جندا ما مهزومون من الأحزاب ، وفي الروايات كان المقصود في التأويل من الآية هم المشركون في مكة وقد تحزَّبوا لحرب الإسلام ، فبشر الله نبيه بهزيمتهم وغلبته عليهم .
[ 12 ] ومن أجل أن يستقيم الرسول في طريق الدعوة للحق ، ويقاوم تحديات الكافرين ،
من هدى القرآن — صفحة 84
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٨٤