تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
يُذكَّره بمعاناة الأنبياء مع الأقوام السابقة ، وأن هؤلاء سوف يهزمون كما حدث لأولئك . كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ فتكذيبهم ليس جديدا ، ثم يذكر بمجرد الإشارة ، مجموعة من الأقوام : قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ وإنما سُمَّي فرعون بذي الأوتاد لأنه كان إذا غضب على أحد وتد رجليه ويديه ورأسه على الأرض أو في خشبتين متقاطعتين على شكل الصليب ، أو في جذوع النخل ، وقيل أن سبب التسمية كثرة جنوده وجيوشه السائرة فكانوا إذا نصبوا الخيام في معسكراتهم ، وأثناء استراحتهم في الطريق صارت كثيرة جدا وهكذا أوتادها « 1 » . [ 13 ] كل تلك الأقوام كذبوا رسلهم ، وأيضا : وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وهم قوم شعيب عليه السلام . أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ فأين ذهب أولئك سوف يذهب هؤلاء أيضا . [ 14 ] فهم أحزاب يختلفون مع بعضهم في طبيعة الحياة ، والمكان والقوة والضعف ولكنهم يجمعهم أمران هما : التكذيب بالحق والرسل ، والعقاب الإلهي الذي لحق بهم بسببه . إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ وقد تكون هذه الآيات تمثيلًا للحقيقة التي طرحتها الآية ( 3 ) عن هلاك القرون السابقة . [ 15 ] والدمار الذي لحق بتلك الأقوام لم يكن أمرا طارئا ، إنما ينسجم مع الحق الحاكم في الحياة ، والمتمثل في إرادة الله والسنن التي وضعها في الكون . والحق هو الحق ، والحياة هي هي بأساسياتها ، فلن يشذ عن هذه النتيجة كل من يمشي في ركاب المكذبين وخطهم في أي زمان ومكان . وَمَا يَنظُرُ هَؤُلاءِ سواء كفار قريش أو سائر طواغيت التاريخ الذين يتحكمون في مصائر الشعوب ، ويحاربون الله والإسلام ما ينتظر هؤلاء جميعا ؛ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ وليس بالضرورة أن تكون الصيحة من جبرائيل أو أحد الملائكة الغلاظ عليهم السلام ، بل قد تكون الصيحة رصاصة يطلقها المجاهدون على المستكبرين ، وقد تكون ثورة شعبية جذرية تأكل الأخضر واليابس من كيانهم . وفواق بمعنى الرجوع ، ومنه فواق الناقة إذا رجع لبنها إلى الضرع بين الحلبتين ، وإفاقة المريض من المرض إذا رجع إلى صحته ، وهؤلاء حينما ينزل بهم العذاب لا تقبل رجعتهم للحق . وهذه الكلمة نجد تفسيرها في قوله تعالى في الآية الثالثة وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ [ ص : 3 ] . إذن فاعتماد الإنسان على قوة المال والجند واعتزازه بهما في مقابل الحق أمر خطير يجرُّه إلى الهلاك ، بشذوذه عن الحق في الحياة .
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 7 ص 602 .