يهزُّ مطلع الدرس القلب هزَّا عنيفا بعد أن يأمره بالاستجابة للرسالة فينذره بيوم عظيم لا يرده شيء ، هنالك حيث لا ركن يلجؤون إليه ، ولا نصير ينكر ما يفعل بهم .
ثم ينسف فكرة الاتكال في الهداية ، فحتى الرسول لا يتحمل المسؤولية إلا بقدر تبليغ الرسالة .
ويحطم غرور الإنسان ، ويعريه على ضعفه ، وكيف يهتز فرحا برحمته ، ولا يلبث أن يتميز كفرا ويأسا إذا أصابته سيئة ، أفلا يهديه ذلك إلى أنه لا يملك من أمره شيئا ، وأن لله ملك السماوات والأرض ، وأنه يخلق ما يشاء ، وأنه الذي يقسم رحمته بين عباده كيفما يشاء ، فيهب لهذا ذكرانا ، ولذلك إناثا ، ويجعل الثالث عقيما ؟ .
ويكرم من يشاء بأعظم مكرمة وهي الوحي ثم يمضي السياق في بيان حقائق عن الوحي ، فتكتمل السورة التي تبين جوانب عن النظام السياسي في المجتمع المسلم بالحديث عن الوحي . أوَليس هو محور هذا المجتمع ، وقيمة نظامه السياسي ؟ .
بينات من الآيات :
[ 47 ] أعظم ما يعاني منه البشر الغفلة ، حيث تحيط بهم مشاكل يومية تنسيهم قضاياهم المهمة ، وعادة تحجب الشجرة الناس عن رؤية الغابة المترامية . . ويعالج الذكر هذه الحالة بالإنذار الصاعق من يوم القيامة حيث لا يمكن الفرار من أهواله . اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ بالاستماع إلى داعيه ، والتسليم للحق الذي نزل معه ، والطاعة للقيادة التي أمر بها . مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنْ اللَّهِ وهل يرد أحد ما يريده الله تعالى ؟ . مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ فلا أحد ينصر أحدا وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ .
[ 48 ] ويعالج القرآن - في أكثر من آية - عقبة نفسية أمام تحمل مسؤولية الإيمان ، حيث ترى الإنسان ينتظر من يحمله الإيمان تحميلا ، ويزعم أنه ما دام لا يوجد من يكرهه على الإيمان فهو معفي عنه وعن التزاماته .
كلا . . الإيمان مسؤوليتك قبل أي شخص آخر . أو ليست فائدته لك ، وخسارته - إن خسرته - عليك ، فماذا تنتظر ؟ إن الرسول ليس إلا مبلغ ، فإن شئت آمنت بحريتك ، وإن شئت اشتريت العذاب بما اخترته لنفسك من الكفر . فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ وهذا دور كل قائد رسالي في أي مجتمع وأي زمان ، وكفى بذلك مسؤولية كبيرة يتحملها . وإذا ما أعرض الناس عما يدعوهم إليه فلا يدل ذلك على قصور في الرسالة ،
من هدى القرآن — صفحة 418
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤١٨