الشديد ، أو الاهتمام بقضية معينة ، أو عند الشهوة ، إذ ينعدم حينها شعوره الداخلي ، فهو بحاجة إلى إرادة قوية يتغلب بها على تلك الحالات ، والإرادة من الله وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [ الإنسان : 30 ] . كما أن قوة الإرادة وضعفها بيد الله ، ولولا تأييده لخارت أمام الضغوط ، وإذا لم يهتد أبدا .
وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ يستطيع هدايته أو إنقاذه من مصيره الأليم . فإذا كان يستحق النجاة فإن الله أحق بنجاته ، لأنه خالقه وبارئه وأرحم به من كل شخص ، فمن لا يرحمه أرحم الراحمين ، ومن لا يسعه حلم الله الواسع وكرمه العظيم ، ترى هل من رحمة تسعه أو حلم أو كرم ؟ ! .
ونقرأ في سورة الرعد : لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ [ الرعد : 14 ] . والذي يتبع السبل الأخرى غير سبيل الله المتمثل في رسالاته وأوليائه ، فإنه يكتشف خطأه وضلاله البعيد يوم القيامة ، أو حتى في الدنيا عند الجزاء .
وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ وقد انتهت الفرصة التي أعطيت لهم ليجربوا بها إرادتهم . يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ إنهم وقد انتهى بهم الظلم إلى نار جهنم يتمنون الكرَّة ليختاروا هدى الله على ضلالات الشيطان ، ولكن هيهات ، هل تعود عقارب الزمن إلى الوراء ، هل الشباب يرد إلى العجوز المتهاوية ، أم تعود نضارة الطفولة إلى من عركته السنين ، وبلغ من العمر عتيا ؟ ! حقا تثير هذه الحقيقة النفس من أعماقها ، فأي خسارة كبرى تلحق بالظالمين ، بل أي ثمن يستحق في مقابل هذه الخسارة التي لا تعوض ؟ ! .
[ 45 ] وتتواصل الآيات في بيان عاقبة الظالمين الذين لو تسنى لهم لماتوا ملايين المرات حسرة على التفريط في جنب الله ، وهم يتعذبون نفسيا وجسديا ، نفسيا لأنهم يشعرون بالذلة والمهانة بعد العلو والتكبر في الدنيا ، وجسديًّا لأنهم سيصيرون حطبا لجهنم . وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنْ الذُّلِّ إن أهم العقبات النفسية التي تعترض طريق الإنسان إلى الهداية هو التكبر ، الذي أخرج إبليس من الجنة ، ولازال يخرج به إبليس أبناء آدم من رحمة الله إلى غضبه وعذابه ، وعلى الإنسان أن يقاوم جموح النفس المتكبرة ، بتصور تلك اللحظة التي يعرض فيها المتكبرون على النار ، خاشعة نفوسهم من الذل .
وهذا الخشوع السلبي لا يتجاوزه الإنسان إلا بخشوع الإيمان الإيجابي ، ولذلك جاء في
من هدى القرآن — صفحة 414
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤١٤