أمواج البحر فتبتلع سفننا ، وإلى جانب هذه القدرة الإلهية توجد في الطرف الآخر الأسباب والمقومات لإنزال النقمة ، وهي ذنوبنا التي نكتسبها كل يوم . . أَوْ يُوبِقْهُنَّ يغرقها ، ويهلك من فيها . . بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ برحمته ولطفه ، لذلك ينبغي المبادرة إلى الاستغفار ليل نهار حتى نأمن من سطوات الرب الجبار ، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام :
[ تَعَوَّذُوا بِالله مِنْ سَطَوَاتِ الله بِاللَّيْلِ والنَّهَارِ .
قَالَ : قُلْتُ لَهُ : ومَا سَطَوَاتُ الله ؟ قَالَ عليه السلام :
الأَخْذُ عَلَى المَعَاصِي ]
« 1 » .
[ 35 ] ولا بد أن يعلم أولئك الذين يكذبون بآيات الله ، ويتشبثون بثقافة الجدال والتبرير من أجل ردها والتهرب من مسؤولية الإيمان بها ، أنهم محاطون بعلم الله وقدرته ، ومن ثم فإن جدالهم فيها لن يرفع عنهم المسؤولية . . وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ أي مهرب ومفزع من الله . قالوا : إن نصب وَيَعْلَمَ جاء لأنه عطف على تعليل محذوف ، وكأنه قال : ينتقم منهم ويعلم الذين يجادلون .
[ 36 ] وكخاتمة لهذا الدرس الذي يحدثنا عن دور الحرص في الصراعات الاجتماعية كفكرة أساسية ، يصغر القرآن الدنيا ويهونها في أعيننا وأنفسنا ، لكي لا تكون من المنزلة عندنا بمكان تثيرنا نحو الصراع والبغي على بعضنا . فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مهما كان حجمه وقدره فإنه لا يعدو كونه بسيطا وضئيلا نسبة إلى متعة الآخرة ونعيمها . . وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وأفضلية نعيم الآخرة على متاع الدنيا من ناحيتين : فهو أفضل في كيفيته ، وأدوم في بقائه ومتعة الإنسان به .
ولعل خاتمة الآية تهدينا إلى أن التوكل على الله هي الصفة المقابلة للحرص على الدنيا ، وإنما لا يتسامى القلب عن الانجذاب إلى الدنيا لضعفه ، الذي ينجبر بالتوكل على الله سبحانه .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ص 219 .