وبهذه الرؤية العميقة والواقعية للحياة يتقدم الإسلام خطوة على المادية ، وخطوتين على القدرية ، فالقدرية تعتقد بانعدام العلاقة بين سعي الإنسان وواقعه ، منكرة بذلك عقلائية الأنظمة الحاكمة على الكائنات ، أما المادية العمياء فتعتقد بأن نظام الكون عقلائي ، ولكنها لا تعترف إلا بالعلاقات الظاهرة في هذا النظام ، منكرة العلاقات الخفية التي يكشفها الغيب . بينما الإسلام بواقعيته يؤمن بعلاقة أكيدة بين سعي الإنسان وواقعه ، مرة عن طريق العوامل المادية الظاهرة ، وأخرى عن طريق العوامل الغيبية ، وذلك انطلاقا من الاعتقاد بأن كل ما يجري على الإنسان ، بل كل ما يجري في الحياة ، إنما هو بعلم الله وبإذنه ، وهو لا يمنع أو يأذن إلا بحكمة بالغة يعلمها عز وجل ، وهو القائل : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [ الرعد : 11 ] .
وتؤكد آيات القرآن هذه الحقيقة ببيان هيمنة الله على نظام الكون ، فالسحب التي تجمعها الأقدار ، والمطر الذي يهطل على الأرض الجرداء فيبعث فيها الحياة من بعد ما يقنط الإنسان ، كل ذلك لا يصير عبثا ، إنما بحكمة إلهية دقيقة ، فإذا قل الصدق بين الناس وتضاءل تعاطفهم على بعضهم ، وإذا ساد الظلم والضلالة ، وإذا كثرت الذنوب والفواحش ، بعدت رحمة الله المتمثلة في الغيث ، كما أن لنجاة أصحاب السفينة التي تمخر عباب البحر أو غرقهم علاقة بركابها ، فإذا كانوا أهل صلاح وسعي ، ساقتهم الريح الطيبة إلى سبل السلام ، أما إذا كانوا ظالمي أنفسهم وقد انتهى أجلهم ابتلعتهم العواصف الهوج .
هكذا يبيِّن ربنا العلاقة بين واقع الإنسان وعمله فيقول : وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ أيا كان نوع هذه المصيبة وطبيعتها . وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ولو لم يكن الله رحيما بعباده لانتهت بهم أعمالهم إلى الهلاك ، لأنهم يكسبون كل يوم ما يستوجب غضبه سبحانه . جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام :
[ أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عِرْقٍ يَضْرِبُ ولَا نَكْبَةٍ ولَا صُدَاعٍ ولَا مَرَضٍ إِلَّا بِذَنْبٍ ]
« 1 » . وجاء في حديث آخر عنه عليه السلام : [ إ
نَّ الذَّنْبَ يَحْرِمُ العَبْدَ الرِّزْقَ ]
« 2 » . وجاء في رواية مأثورة عن أبي الحسن عليه السلام :
[ حَقٌّ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعْصَى فِي دَارٍ إِلَّا أَضْحَاهَا لِلشَّمْسِ حَتَّى تُطَهِّرَهَا ]
« 3 » . فلكي لا تصيبك ألوان العذاب تجنب الذنوب ، هكذا أوصانا أمير المؤمنين عليه السلام حين قال :
[ تَوَقُّوا الذُّنُوبَ ، فَمَا مِنْ بَلِيَّةٍ وَلَا نَقْصِ رِزْقٍ إِلَّا بِذَنْبٍ حَتَّى الخَدْشَ وَالكَبْوَةَ وَالمُصِيبَة
، ثم قرأ : وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ، ص 269 .
( 2 ) المصدر السابق : ص 271 .
( 3 ) المصدر السابق : ص 272 .