تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
مختلفا عن آمالك ، بل اخترته بصورة فجائية لم تسبقك إليه بادرة أبدا . ولقد عبرت عن الحقيقة آية شريفة تعبيرا لطيفا ، فقال : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [ الأنفال : 24 ] . وفي حالات عديدة يرتبط وجداننا بقوة غيبية نتيقن في تلك الأحوال بأنها مهيمنة ورحيمة فنتضرع إليه بقلوبنا فإذا الحياة المستصعبة تيسرت ، وإذا تلك الشديدة انكشفت ، لا نعلم أين هي وكيف هي ، بل لا نعرف عنها إلا أنها قادرة على إنقاذنا . وقد تصفو النفس إلى درجة تحسب أنها ترى الله ، بل هو أشد من الرؤية وضوحا آنذاك ، ولو يتذكر الإنسان تلك اللحظات لعرف إن الله لا ريب فيه فاطر السماوات والأرض الرؤوف الرحيم . وهكذا يعرِّف الله نفسه للإنسان مرة بعد أخرى ويظهر في كل شيء ظهورا ، وإنما تراه القلوب البصيرة النافذة التي تخترق ظواهر الحياة إلى حقائقها . وهذه شهادة الله لرسوله ؛ فقد تحدى النبي صلى الله عليه وآله كل البشر بما لهم من مبادئ وأفكار وبما ينتحلون من شرائع وأديان : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ [ الأنعام : 19 ] . فقد اصطفاه من بين الأميين وبعثه بالكتاب الذي لا يأتيه الباطل ، وأردفه بالتأييد والتسديد والنصر واستجابة الدعاء . وهكذا فالإحاطة القيومية تتكشف لمن يلقي السمع ، بل هي تتكشف لكل إنسان في صور مختلفة في تجارب وتضاعيف الحياة . [ 54 ] ولكن العمى في الكفار هو الذي يجعلهم لا يرون الله عز وجل ، وسبب العمى هو الكفر بالبعث ، ونكران النشور . إن الريب في يوم الآخرة وبالتالي في المسؤولية يبرر للنفس التهاون ، وإذا استبد بها التهاون لم يهتم بالحق ، ولم يستمع إلى داعيه ، ولم ينتفع بآيات الله التي تتجلى في الآفاق والأنفس . أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ إنهم يشكون في يوم القيامة وساعة الحساب ، بينما الرب يحيط بهم إحاطة كاملة ، وسوف لا يفلتون من قبضته ، لأنه لا منجى منه إلا إليه ، ولا مهرب من سطواته .
من هدى القرآن — صفحة 336 | السيد محمد تقي المدرسي