والتحليق في سماء العقل ، والعبور من واقع الشهود إلى حقائق الغيب ، وما إلى ذلك من الكمال الرفيع الذي يستصعب على البشر فتراه يتكبر ، فكيف يشافي المنهج القرآني حالة الاستكبار ؟ . بتذكير البشر بأن الملائكة وهم أفضل منه ، وأقرب إلى ربهم ، وأعظم قوة وسلطانا ، يتعبدون الله وحده ، ويقدسونه من الشركاء الموهومين ، وأن المقربين من عباد الله الصالحين الذين يحظون بقرب الله يسبحونه ، وأن طريق التعالي هو الخضوع ، وأنه لا يتسامى البشر من دون كسر حاجز الاستكبار في نفسه . فَإِنْ اسْتَكْبَرُوا وأخذوا يشركون بالله خلقه ، ويسجدون للشمس والقمر ، ويخضعون لزينة الحياة الدنيا ، ويزعمون أن ذلك طريق الكمال ، تكريسا للأنانية ، وإبقاء للجهل والجهالة ، فليعلموا أنهم لم يهتدوا إلى سبيل التقرب إلى الله .
فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ من الملائكة والمقربين ، ولعل هناك خلق غيرهما لا نعلمه ، هؤلاء الذين حظوا بمقام القرب من الله حتى صاروا عنده ، ويحتمل أن يشمل المقربين وهم أحياء في الدنيا ، لأنهم عند ربهم بأرواحهم وقلوبهم ، وليس لربنا مكان محدد ، فالقرب منه قرب معنوي . يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فآيات الله لا تستبد بمشاعرهم ، بل تذكرهم بعظمة ربهم . أوليس الليل يزول ، والله دائم لا يزال ؟ أوليس النهار ينسلخ ، والله حي قيوم ؟ فهم ينظرون إلى الجوانب السلبية في الخليقة فينزهون بارئها منها ، كما أنهم ينظرون إلى الجوانب الإيجابية فيزدادون حبا لربهم وشوقا ، وهذا المنهج في النظر إلى الليل والنهار يلهمهم المزيد من معرفة الله باختلاف الليل والنهار ، فلا يتعبون من تسبيحه ، لأن النظر الإيماني يعطيهم الطاقة والنشاط في كل ساعة . وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ترى المؤمنين يستقبلون يومهم بمثل هذا الدعاء الذي يعكس بصيرتهم التي ينظرون من خلالها إلى ظواهر الخليقة ، يقولون :
[ اللَّهُمَّ يَا مَنْ دَلَعَ لِسَانَ الصَّبَاحِ بِنُطْقِ تَبَلُّجِهِ وَسَرَّحَ قِطَعَ اللَّيْلِ المُظْلِمِ بِغَيَاهِبِ تَلَجْلُجِهِ وَأَتْقَنَ صُنْعَ الفَلَكِ الدَّوَّارِ فِي مَقَادِيرِ تَبَرُّجِهِ وَشَعْشَعَ ضِيَاءَ الشَّمْسِ بِنُورِ تَأَجُّجِهِ ]
« 1 » .
فالطبيعة تجليات لأسماء الله ، والنظر إليها يهديهم إلى تلك الأسماء . ويعكس دعاء الإمام الحسين عليه السلام في يوم عرفة هذه المنهجية في تفكير أولياء الله حين يقول :
[ إِلَهِي عَلِمْتُ بِاخْتِلَافِ الآثَارِ وَتَنَقُّلَاتِ الأَطْوَارِ أَنَّ مُرَادَكَ مِنِّي أَنْ تَتَعَرَّفَ إِلَيَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى لَا أَجْهَلَكَ فِي شَيْءٍ ]
« 2 » . وإذا أشرق نور معرفة الله على قلب مؤمن انسحب منه ظلام الأغيار ، فلا شيء ولا شخص يشارك الرب في القلب . يقول الإمام الحسين عليه السلام في الدعاء ذاته :
[ أَنْتَ الَّذِي أَشْرَقْتَ الأَنْوَارَ
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 84 ، ص 339 ، من دعاء الصباح لأمير المؤمنين عليه السلام .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 95 ص 225 .