أرأيت جرثومة السل في المجهر ؟ أو سمعت بفيروس الجذام ؟ إنهما في الواقع يمثلان المرض ذاته الذي تظهر أعراضه على المسلول والمجذوم ، ولكن الخبير وحده يعرف ذلك ، أما الجاهل فتراه يستنكر أن تكون هذه الجرثومة وذلك الفيروس هو المرض ذاته . . كذلك خبير المتفجرات يعرف مدى قوة النار الكامنة في كيلوغرام من مادة متفجرة حارقة ، أما الجاهل فلعله يحسبها ترابا ، كذلك المؤمنون الواعون يعرفون أن مال اليتيم هو ذاته اللهب إذا أكله الغاصب ، وأن الكذب رائحته نتنة تخرج من فم صاحبها وتنتظره على باب جهنم ، وأن الظلم اليوم ذاته ظلمات في القيامة ، وهكذا . .
[ 42 ] والنار التي يدعو المؤمن للنجاة منها هي الكفر بالله الذي يتمثل بالشرك به . فما هو الشرك ؟ إنه الخضوع لأحد من دون أن يأذن الله وينزل عليه سلطانا مبينا . تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ لعل قوم فرعون كانوا جاحدين بالله رأسا ، أو كانوا مشركين وشركهم دعاهم إلى الكفر ، لذلك قال لهم مؤمنهم : وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ونستوحي من هذه الآية - كما من آيات - أخرى أن مجرد التسليم لما لا يعلم الإنسان يقينا أن الله أمره به شرك . وقد خلق الله الإنسان عبدا له لا لغيره ، ولم يأذن له بأن يتنازل عن حريته لأحد أبدا ، بل فرض عليه مقاومة من يريد سلب حريته والاعتداء على حرمة استقلاله ، وعَدَّ مجرد التسليم للطاغية شركا ، وإن الشرك لظلم عظيم . أما دعوة الحق فهي إلى الله : وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ فبعزته يهيمن علينا ويفرض سلطانه ، وبمغفرته يقبل التوبة عن عباده المسرفين ، الذين طالما سكتوا عن جرائم الطاغوت ، وغدوا يأكلون رزق الله ويعبدون عدوه ، كما قبل توبة السحرة .
[ 43 ] لا ريب أن البشر - أنَّى سخر القوى المادية - يحيط به الضعف من كل جهة ، فهو محكوم بسنن الله ، وإنما يسعى للطغيان لعله يخفف عن ضعفه ، لعله يمنع عن نفسه المرض والشيخوخة والموت ، فهو أضعف من أن يمنح الآخرين قوة . . وهكذا فهو ليس جديرا بالدعوة إليه . لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ إنها مجرد خرافات وأوهام وأماني وغرور . وتفسير كلمة لا جَرَمَ حرفيا : لا قطع ، وتعني أنه لا أحد قادر على قطع هذا الكلام أو نقضه ، فهو كلام حق ، وقد استخدمها مؤمن آل فرعون لمزيد من الثقة بهذه الحقيقة ، ولتحدى حالة الخوف والرغبة عند أنصار فرعون الذين فقدوا كل استقلالهم وثقتهم بأنفسهم أمام طغيان فرعون . . وإن كانوا يتفكرون قليلا لعرفوا أن فرعون أضعف من أن يفرض عليهم سلطانه ، إن لم يكن أقل منهم قوة فلا ريب أنه كواحد منهم ، وإنما يستمد قوته من ضعفهم ، وهيبته من ذلهم ، ولو أنهم عرفوا قيمة أنفسهم حقا لوجدوه تافها حقيرا ، وأنه - بالتالي - ليس له دعوة ، ولا فرق بينه وبين صخرة صماء أو بقرة عجماء أو شجرة مسوسة . أرأيت هؤلاء الذين يعبدون صنما أو بقرا أو شجرة هل يعطيهم ما يعبدونه شيئا أم
من هدى القرآن — صفحة 240
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٤٠