تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
المناسبة لتفجير الصراع مع الطاغوت ، وها قد حل أوانها حيث جمع فرعون وزراءه وأنصاره وقوات جيشه وسحرته ليقرروا قتل موسى عليه السلام ، فاستبسل من بينهم وتحدى الظلم والظالمين ليضرب لنا مثلا صادقا عن التقية التي يرتضيها الله تعالى ، وهي النابعة من الإيمان والإرادة والتخطيط والعمل ، وليست الناتجة عن خور العزيمة وخوف الإنسان وحبه للراحة . فهي إذن تمهيد للتحدي ، وجمع للقوى ، لتفجير الصراع في وقته المناسب . وهكذا استطاع مؤمن آل فرعون تعويق مؤامرات فرعون التي استهدفت قتل موسى عليه السلام ، وبذلك وفي ربنا عهده لرسوله الأمين بنصره وتأييده . وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِي أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ فهو من جهة تحدى فرعون ، ومن جهة أخرى طالب مَنْ حوله باتّباعه وحمّلهم مسؤولية الثقة برسالته والطموح إلى تغيير حكومة فرعون ، وهكذا ينبغي للرساليين أن يثقوا برسالتهم في الحياة ، وأن يطرحوا أنفسهم قادة للناس بديلا عن القيادات الفاسدة دون استحياء أو وجل . [ 39 ] وحيث شخص المؤمن جذر الانحراف ونقطة الضعف التي تدعوهم للالتفاف حول فرعون واتباعه ، وهي المادية التي تتجسد في اللهث وراء حطام الدنيا ، ذكرهم بالآخرة التي تتميز عن الدنيا بنوعية نعيمها الأفضل ، بينما الدنيا بما فيها تشبه المتاع الذي يأخذه المسافر معه وهو قليل ومحدود ، كما أكد على مفارقة أخرى مهمة هي : أن نعيم الآخرة دائم لا ينتهي حيث يلغى فيها حساب الزمن ، بينما الدنيا محدودة جدا . يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ وهل يختار العاقل تلك على هذه ؟ ! ! كلا . . [ 40 ] ويمضي المؤمن في بيان معالم ثقافته الرسالية رغبة منه في إنقاذ الناس من ضلالات الطاغوت ، قائلا : مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا عدالة ورحمة من الله بعباده ، ولعله أراد من ذلك فضح سياسة فرعون القائمة على الظلم والجور . وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فالمقياس عند الله هو العمل ، أما التمايزات المادية والظاهرية - التي تقرها الأنظمة البشرية الفاسدة - فلا معنى لها أبدا . بلى ، هناك أمر واحد يرتكز عليه العمل فلا يقبل إلا به وهو الإيمان . والذين يتوفر لديهم هذان الشرطان ( العمل الإيمان ) هم الذين يدخلون الجنة . فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ إن مشكلة الكثير من الذين يرفضون الإيمان بالحق والعمل به هو أنهم ينظرون له من خلال البلاء والمعاناة التي يستتبعها الإيمان به ، وليس من علاج لهذه المشكلة أفضل من التوجيه إلى نعيم الآخرة الذي هو ثمرة الإيمان والعمل . وحيث ركز المؤمن حديثه مع أتباع فرعون الغارقين في المادة أراد علاج هذه المشكلة ، فهم يتساءلون : نحن الآن نترك فرعون ونخسر هذا النعيم فماذا نجد باتباع الحق ؟ .
من هدى القرآن — صفحة 237 | السيد محمد تقي المدرسي