لقد قال لهم : إنني أدعوكم لنجاة أنفسكم من النار التي تحيط بكم ، بينما أنتم تدعونني لألتحق بكم في سواء اللهب . بلى ، إن الكفر بالله والشرك به ( كاتباع سلطة غير شرعية ) إن ذلك بذاته النار التي هم فيها ، أما هو فإن دعوته إلى النجاة منها بالإيمان بالله العزيز الغفار .
أنتم تدعونني إلى الشركاء الذين لا ينبغي أن يدعو أحد إليهم ، لأنهم تافهون حقراء ، بينما أنا أدعوكم إلى من إليه مصيرنا جميعا ، وأنتم تدعونني إلى الإسراف الذي لا ريب ينتهي بصاحبه إلى النار ، بينما أدعوكم إلى التقوى .
وتحدَّاهم حين لم يستجيبوا له - بأنه ينتظر وإياهم عاقبة الأمر حين يستذكرون إنذاره ، أما هو فقد فوض أمره إلى الله الذي وقاه سيئات ما مكروا ، بينما أحاط بآل فرعون سوء العذاب ، ففي عالم البرزخ يعرضون على النار صباحا ومساءً ، وإذا قامت الساعة يذوقون في جهنم أشد العذاب .
هنالك حيث لا ينفع الضعفاء تبريرهم بأنهم إنما اتبعوا كبراءهم فلذلك لا بد أن يتحملوا عنهم نصيبا من العذاب ، كلا ، كل من الضعفاء والمستكبرين في النار بحكم الله الذي لا ينقض حكمه أحد .
بينات من الآيات :
[ 41 ] لا يطيب الموت في فم أحد إلا أن المترفين أشدُّ هيبة منه ، لأنهم أحرص على حياة الدنيا ، وأعمق اغترارا بزخارفها ، ولا بد أن يضرب الدعاة إلى الله على هذا الوتر الحساس في أفئدة المترفين ، ويذكروهم بالموت وما بعده من الجزاء الشديد ، وكفى به موعظة لمن يريد هدى وخلاصا . وهكذا فعل مؤمن آل فرعون حين ذكرهم بعاقبة الدعوتين ، دعوة الحق ودعوة الباطل . * وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ إنهم الآن في النار وقد أحاطت بهم من كل صوب ، السياسة طغيان ، والاقتصاد ترف ، والتربية انحراف ، والإعلام ضلالة ، فهم يتقلبون في سرادقات الجحيم ، وإنما يدعوهم المؤمن للنجاة ، بما تحتاجه من همة وسعي واجتهاد ، ولكنهم يدعونه إلى التوغل في النار . والآية تشملنا أيضا ، فباستثناء المتقين يعيش الناس في سواء النار ، ما دامت الشهوات تقودهم ، والفساد يحيط بهم ، وقد قال ربنا سبحانه : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً ( 71 ) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً [ مريم : 71 - 72 ] .
ونتساءل : كيف نحن جميعا في النار إلا المتقين ؟ .
من هدى القرآن — صفحة 239
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٣٩