تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
في الشهوات تظن أن الآخرين مثلها ينازعونها على الشهوات . وإذا أمعنا النظر لوجدنا كلتا الصفتين ( الاسراف ، الارتياب ) تنتهيان إلى صفة واحدة هي عدم التسليم للحق ، وعدم الاكتفاء بما أعطاهم الله ، وطلب المزيد ، المزيد من النعم إلى حد الإسراف ، والمزيد من الأدلة إلى حد الجدل في الآيات الواضحات . وتدل هذه الآية على أنه كانت ليوسف رسالة إلى قوم مصر ، وقد وفَّر الله لهم فرصة الهداية بهذه الصورة الفريدة حيث جعل مليكهم الحبيب رسولا إليهم لعلهم يهتدون . ولعل الحكمة في ذلك كانت شدة تعلق الشعب المصري ذات الحضارة النهرية بالسلطة السياسية مما حدا بموسى عليه السلام أيضا إلى التوجه إلى شخص فرعون الحاكم الأعلى لبلادهم . [ 35 ] ونسأل : من هم المرتابون ؟ ويجيب القرآن : الذين يجادلون في آيات الله ، ويحاولون تحريفها من دون أدنى حجة ، والحال أن الذي يخالف فكرة ما لا بد أن يأتي بأخرى مثلها أو أفضل منها . الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ وتشمل الآية - كما يبدو - الذين يحرفون آيات الله ، ويتصرفون فيها بغير تفويض من الله ، فهم يضعون أنفسهم مواضع الحكم بلا سلطان من الله . كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا فالله يمقتهم فيذلهم في الدنيا ويضل أعمالهم ولا يدعهم يفلحون أبدا . أما الذين آمنوا فيمقتونهم فلا ينخدعون بهم ولا يسلمون لقيادتهم . وهاتان عاقبتان سيئتان لهم . أما العاقبة السوأى فهي سلب فرصة الهداية عنهم إلى الأبد ، وذلك بإطفاء شعلة الهدى من قلوبهم . كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ والجبار هو الذي يسعى لقهر الآخرين والتسلط عليهم ، وهي من نزعات القيادات والحكام الظلمة . أما المتكبر فهو الذي لا يتواضع للحق ، ولا يقتنع بواقعه ، إنما يتصور نفسه دائما أكبر من حجمه الحقيقي ، وَمَنْ هذه صفته فإن قلبه يصير منغلقا فيختم الله عليه بسلب نور العقل والفطرة منه . والتعبير القرآني دقيق جدا حينما قال : كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ، ومع أن بعضا من المفسرين قالوا بأنه يساوي قولنا : قلب كل متكبر جبار ، إلا أنه يبدو أن السياق القرآني أراد بيان حقيقة مهمة هي : إن الطبع على القلب تختلف نسبته باختلاف الصفات السلبية عند الإنسان ، فقد يطبع الله بنسبة خمسين بالمئة على قلب الزاني أو السارق ، أما المتكبر الجبار فإنه يطبع على قلبه كله أي مئة بالمائة ، وهذا يكفي لبيان الخلفيات السيئة جدا لهاتين الصفتين . [ 36 - 37 ] ولأن بني إسرائيل والشعب المصري لم يؤمنا إيمانا حقيقيا في ظل يوسف الملك النبي فقد ابتلاهم الله بفرعون يحكم من الأريكة ذاتها ، وشتان بين الاثنين ، وحقا إنها عاقبة الكفر بالنعمة . ويوجهنا السياق هنا إلى النهايات السيئة لهذا التحول ، لعلنا ننتبه إلى أن الكفر برسالات