متوازنا مباركا ، يحثه الرجاء على التوبة والعمل الصالح ، ويمنعه الخوف عن المعصية . والخوف من عذاب الله كما رجاء رحمته ليس قضية نفسية وحسب ، إنما يعنيان العمل ، فنحن يجب أن نتحرك عند الرجاء ولكن ليس في أي اتجاه ، إنما في اتجاه مرضاة الله وباتباع هداه ، لأن الحياة تشبه حقل الألغام والذي ينجو فيها هو الذي يمتلك خريطة واضحة لها يتبعها بدقة ، أما حينما ينحرف الإنسان عن الحق فسوف يضل ويخسر ولن يجد من ينقذه أبدا ، لأن الله وحده هو الإله المتصرف الذي يحدد مسيرة الإنسان ومصيره دون أن يكون أحد قادرا على التغيير والتبديل . لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ فهو الذي يقرره كيف يشاء بإرادته .
[ 4 ] ولكن بعض الناس يرفضون الحق وبكل إصرار ، فتراهم يجادلون في آيات الله التي تهديهم إلى الحق . والجدال - حسب اللغة - لف الخيوط الناعمة أو أنسجة الليف على بعضها لتصبح حبلا ، وهذا يشبه حال المجادلين الذين يلفون بعض الكلام على بعضه للتغطية على جهلهم . مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ مع وضوحها بما لا يدع مجالا للشك . إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا لأنهم لا يبحثون عن الحقيقة ، ولو كانوا كذلك لاستوجب الأمر قبولهم للآيات باعتبارها بيِّنات بينما يسعى هؤلاء لتبرير اتباعهم للباطل ليخدعوا أنفسهم بأنهم على الحق ، وليغطوا ضعفهم ويتراؤوا بأنهم أقوياء ، ولكن المؤمن الذي يتبع بصائر القرآن لا ينخدع بهم أبدا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ فمهما تظاهروا بالمقدرة من خلال تنقلهم في البلاد عبر مسيرات عرض القوة ، كما تعود الطغاة فعله ، أحسوا بالخطر ، ولكن على المؤمن ألا تغرَّه مظاهر القوة لأنهم ضعفاء بمخالفتهم للحق ، فمهما بلغوا من القوة والقدرة وأنَّى أزاحوا الحق عن مراسيه ، فإن عاقبتهم إلى البوار وإن إلى الله المصير .
[ 5 ] ويضرب لنا القرآن مثلا من واقع التاريخ على أن تقلَّب الكفار في البلاد وسيطرتهم المادية الظاهرة ليس دليلا على سلامة خطهم . كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ أي قبل كفار قريش الذين يجادلونك يا محمد ، وقبل كل الطغاة في كل عصر . قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ لأنهم لم يستفيدوا من تجربة قوم نوح . وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وكم هو مؤسف أن تصل البشرية إلى هذا الحضيض ، فإذا بها بدل أن تكرم المصلحين وتتبعهم لأنهم يحملون لها الهدى والسعادة ترفضهم وتسعى لقتلهم والقضاء على خطهم ، هذا من الناحية العملية ، أما من الناحية النظرية فإنها تحاول إبطال الحق الذي يأتي به الأنبياء .
وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وهكذا كل كافر لا يملك عقيدة إلا الكفر بالحق ، فهو لكي يملأ الفراغ العقائدي في نفسه يبحث عن باطل ليس ليعتقد به إنما ليقاوم به الحق ، وإنما ازداد ركام الباطل ، وتنوعت مذاهبه ، وكثر الكلام فيه لأنه لم يكن يملك رصيدا
من هدى القرآن — صفحة 207
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٠٧