أَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَاسْتَغْنَى العِبَادُ عَنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ وَذَهَبَتِ الظَّلَمَة )
« 1 » . ولا شك أن نهوض إمام الحق وما يتبع ذلك من قيام حكومة العدل الإلهية هو من أبرز تجليات نوره تعالى ، أوليس الأنبياء والرسل والأولياء هم نور الله في الأرض ؟ .
وَوُضِعَ الْكِتَابُ ليحاسب الله الناس على أعمالهم ، والكتاب هنا هو الميزان والمقياس ونستوحي من ذلك أن الأشياء تتحول في الآخرة من صيغتها المعنوية إلى المادية ، فالكتاب الذي هو ميزان الحق والباطل ، وفرقان بينهما في الدنيا ، يتحول إلى ميزان محسوس يراه الناس في الآخرة . وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وهم ميزان آخر لمعرفة الحق والباطل ومحاسبة الناس ، فالأنبياء ميزان بعصمتهم وسلوكهم النموذجي ، بينما الشهداء ميزان بمواقفهم وشهادتهم على مجتمعاتهم ، حيث كانوا طليعتها ، ولعل الشهداء هنا أشمل من أن نحصرها في أولئك الذين يجاهدون من أجل الحق ، ويسقطون مضرجين بدمائهم ، إنما هم كل من يلتزم بالحق فيصير حجة على الناس . فأيوب عليه السلام حجة على الذين ينهزمون أمام الابتلاء ، ويوسف عليه السلام حجة على الذين يغترُّون بجمالهم ، كما أن الذين يثورون ويتجاوزون إرهاب الطغاة حجة على القاعدين والخانعين .
وحيث يحضر هذان الميزانان يحاسب الناس بهما وفيهما يتجلى الحق . وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ وعدم الظلم نتيجة مترتبة على كون المقاييس حقانية وعقلانية ، وإنما يجور الحاكم باتباعه الباطل في قضائه ، وما دام الأمر كذلك فالناس إذن هم الذين يظلمون أنفسهم بمخالفتهم الحق إذا قضي عليهم بالعذاب . والله يقول بهذا الشأن : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [ يونس : 44 ] .
[ 70 ] ثم يؤكد الله عدالته في الحساب . وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ والسؤال : لماذا لم يقل الله ووفِّي كل شخص ، أو ووفِّي كل إنسان ، والجواب كما يبدو أنه تعالى يريد بيان حقيقة مهمة ، وهي أن الإنسان لا يحاسب على أعماله الظاهرة التي يمارسها بأعضائه وحواسه وحسب ، بل يلاقي جزاءه خيرا كان أو شرا حتى على أعمال النفس وتصرفاتها ، على فكره ، وحبه وبغضه ، والحساب الإلهي ليس قائما على الجهل أو الظنون ، إنما يقوم على علم الله المطلق وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ وعلمه تعالى أدق من علم الإنسان بنفسه بل حتى من حساب الملائكة الحفظة ، لأن البشر معرض للزيادة والنقصان في حساباته ، وذلك بسبب وقوعه تحت تأثير عوامل كثيرة كالغفلة والنسيان والجهل وغير ذلك ولأن الله قد يخفي حتى عن ملائكته بعض أعمال الإنسان سترا له .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 52 ، ص 337 .