تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
2 - والتوازن الحرج الذي يعيشه المؤمن بين الخوف والرجاء يتمثل في بصيرة المؤمن بأن مغفرة الله تسع كل ذنب إذا استغفر وتاب إلى الله متاباً ، وإذا لم يتب فإنه لا يغفر الشرك لأنه ظلم عظيم . ولأن الشرك هو الذي يبتلي به الناس لأنه لا يقتصر فقط بشرك عبادة بل قد يكون شرك طاعة ، فإن قلب المؤمن يظل أبداً في خوف شديد من الوقوع في شرك الشرك ، وهكذا يصبح أواباً ، لكي لا يموت عن شرك ، بل يختم حياته بالمغفرة والله العالم . [ 66 ] وفي مقابل دعوة الله نبيه وبالتالي كل مؤمن لرفض الشرك في الآيتين المتقدمتين ، يدعوه في هذه الآية لعبادة الله وحده وشكره على توفيقه له لعبادته . لأن ذلك من أكبر نعم الله على الإنسان . بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ وفي تقديم كلمة اللَّهَ ( المفعول له ) على الفعل والفاعل فَاعْبُدْ دلالة على أن العبادة يجب أن تكون خالصة منحصرة لله وحده . وهذا يشبه تقديم الضمير المنفصل إِيَّاكَ وهو المفعول على الفعل والفاعل نَعْبُدُ في سورة الحمد ، أما الشكر المأمور به فهو على عبادة الله التي لا تتم إلا بتوفيق الله أو هو على عموم نعم الله . [ 67 ] ثم - وبصورة أخرى - يؤكد لنا القرآن ضرورة عبادة الله ، التي تأتي نتيجة معرفته عز وجل . والمشركون والكافرون إنما عبدوا غير الله بسبب جهلهم به وبقدرته . الأمر الذي جعل تقديرهم له دون مقامه مقام الربوبية . وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ يتصرف فيهما وفي من عليهما من الخلق كيف يشاء ، فهذه الأرض مع حجمها الكبير في نظرنا ، والسماوات السبع التي يعجز العقل عن استيعاب مداها ، والخيال عن تصور سعتها ، يشبه هيمنته على إحداهما بهيمنة الإنسان على قطعة النقد الصغيرة التي تكون في قبضته ، ويشبه الأخرى بالورقة الملفوفة في يمينه ، ولا ريب أن قبضته تعالى كما يمينه ليستا بمعنى وجود جارحة لله سبحانه وإنما هما رمز لقدرته وإرادته ، كما اليد رمز لقوة الإنسان ، وربنا إنما يستخدم التشبيهات المجازية لتقريب المعنى إلى أذهاننا ولو وصف لنا قدرته كما هي لما استوعبت ذلك عقولنا . سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ إن من أسباب الشرك عند الإنسان هو عدم معرفته بالله ، فيتصوره بعقله المحدود عاجزا محدودا مثله ، ويزعم أنه يحتاج إلى الشركاء ليدبر شؤون الخلق . وربنا منزه عن ذلك ، فمن هذه قدرته لا يحتاج إلى الشركاء ، ولا يجوز لنا بأي حال أن نشرك به . وبخصوص هذه الآية قال الإمام الباقر عليه السلام : ( إِنَّ اللهَ لَا يُوصَفُ وكَيْفَ يُوصَفُ وقَدْ
من هدى القرآن — صفحة 190 | السيد محمد تقي المدرسي