تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
الإنسان ، سواء تمثل في فكرة يؤمن بها أو طاغوت يخضع له ، كما أنه ليس المقصود من العبادة فقط الركوع والسجود أو طقوس عبادية خاصة يقوم بها الإنسان تجاه من يشرك بهم ، بل إن إعانتهم وطاعتهم وحتى الرضى النفسي بهم يُعَدُّ عبادة ، ويجب على المؤمن أن يرفض ذلك كله . [ 65 ] ثم يبيَّن الله الموقف الحاسم من الشرك والمشركين ، فيبيَّن لنبيه صلى الله عليه وآله بأنه لو افترض أن أشرك بالله فإن جزاءه سيكون كسائر الناس ، وإذ يخصص ربنا الخطاب هنا بأقرب الناس إليه وهو النبي محمد صلى الله عليه وآله مع عصمته لكي يبيَّن لنا بأن الشرك أعظم الذنوب عنده تعالى . وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ لأن أعمال الإنسان إنما تكون مقبولة حينما يكون إطارها العام إطارا توحيديا ، أما لو عملت الصالحات وأنت تشرك فلن تنفعك أبدا . وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ وهذه نتيجة طبيعية لإحباط العمل ، ذلك أن ما يجلب للإنسان الفلاح والفوز هو عمله الصالح فإذا أحبط فأنَّى له الفوز ؟ . ولعل هذه الآية من أخوف آيات القرآن الكريم ، وتأتي في هذا الدرس تقابل أرجى الآيات وهي قوله تعالى : قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [ الزمر : 53 ] . ويدخل اجتماع هاتين الآيتين في سورة واحدة في سياق التوازن القرآني الدقيق . حيث يعيش قارئه معادلة دقيقة طرفاها الخوف والرجاء . وكيف لا تكون هذه الآية من أخوف الآيات ، وهي تنذر الإنسان بأنه قد يعمل الصالحات عشرات السنين دون نتيجة بسبب شركه ، ومن الشرك خضوعه للحاكم الجائر ؟ ! . إن التوازن الدقيق الذي ترسمه الآيتان يمكن تلمس بعض آفاقه في الآتي : 1 - الخوف أو الخشية درجات فليس الخوف من أذى ذباب أو بعوضة ، كالخوف من لدغة الحية أو العقرب ، والخشية من عذاب طاغ ليست كالخشية من نار جهنم . كذلك الرجاء درجات فليس رجاء امتلاك بيت أو سيارة ، كالرجاء في رحمة الله بدخول الجنان . والذي يتدبر في آي الذكر يمتلئ قلبه بأقصى درجات الخوف والرجاء ، وهكذا تتوفر له حالة الاندفاع بقوة هائلة توازي قوة رجاءه وقوة خوفه . وإذا كانت سورة الزمر تؤسس للمجتمع الرسالي الخالص من الشرك ، والبعيد عن عبادة الطاغوت ، والنقي عن تسربات الثقافة الجاهلية ، فإننا نتلو فيها آيتين لعلهما تفيدان ؛ الأرجى من آيات الرحمة والأشد من آيات العذاب ، ذلك لأن ما يحتاجه بناء هذا المجتمع الخالص ليس يسيرا .
من هدى القرآن — صفحة 189 | السيد محمد تقي المدرسي