[ 59 ] ونعود للسياق القرآني في هذه السورة بعد هذا الاستطراد لنرى رد القرآن على تلك الأقوال التي تتكرر على لسان أًصحاب النار يوم القيامة ، يقول تعالى : بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي وكان بإمكانك أن تتجاوز الحسرة والملامة ، وأن تهتدي للحق ، وأن تنتفع من فرصة الحياة الدنيا . فَكَذَّبْتَ بِهَا أولًا . وَاسْتَكْبَرْتَ على الحق الذي جاءت به ثانياً ، وهذه المرحلة من أخطر مراحل المعصية . وَكُنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ حيث أنكرت إنكارا تاما ما جاءت به ، هذا ثالثاً .
[ 60 ] وأهم ما كان يكذِّب به الكافرون هو البعث ويوم القيامة ، الأمر الذي جعلهم بعيدين عن تحمل المسؤولية ، وهل يتحمل المسؤولية إلا من يؤمن بالجزاء ؟ ؟ ولعله من هذا المنطلق جاء ذكر القرآن لهذا اليوم العظيم . وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ فأشاعوا الضلال ، وافتروا على الله كذبا بأنه يأمر بالفحشاء والمنكر . ومن أبرز المصاديق العملية للكذب على الله هو أن يدَّعي الإمامة من ليس أهلا لها ، وفي تفسير هذه الآية ، هناك حديث مأثور عن سورة بن كليب عن أبي جعفر عليه السلام قال : ( قُلْتُ لَهُ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وجَلّ : وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ قَالَ عليه السلام :
مَنْ قَالَ إِنِّي إِمَامٌ ولَيْسَ بِإِمَامٍ ؟ .
قَالَ قُلْتُ : وإِنْ كَانَ عَلَوِيّاً ؟ قَالَ عليه السلام :
وإِنْ كَانَ عَلَوِيّاً .
قُلْتُ وإِنْ كَانَ مِنْ وُلْدِ عَلِيِّ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام ؟ . قَالَ عليه السلام :
وإِنْ كَانَ )
« 1 » . فيجب على الإنسان أن لا يدَّعي شيئا لا يحق له وإلا فهو يرتكب الحرام ، وإذا كان ادعاء الإنسان المعرفة بالطب قد يتسبب في قتل عشرات الناس الذين يتعالجون عنده ، فإن ادعاءه الإمامة والرئاسة كذبا سوف يفسد كل النظام ، الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي ، فعليه إذن أن يتجاوز مشكلة حب الرئاسة ، وأن يتواضع للحق ويسلم لأهله .
والكَذَبةُ لا تسعهم رحمة الله على سعتها اللامتناهية ، بل يحشرون يوم القيامة في هيئة مخزية لهم . وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ بآثار الكذب والمعاصي ، وبالتالي بانقطاع نور الله عنها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [ النور : 40 ] .
ويستفهم منا السياق فيقول : أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ويتركنا نحن الذين نجيب عنه بأنفسنا فنقول : بلى ، لنقر بوجود هذا المثوى في جهنم ، فنخاف مما أعده الله للكاذبين من العذاب فلا نتكبر .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 1 ص 372 .