العَالِمُونَ إِلَّا الصَّادِقُونَ وهَلَكَ الصَّادِقُونَ إِلَّا المُخْلِصُونَ وهَلَكَ المُخْلِصُونَ إِلَّا المُتَّقُونَ وهَلَكَ المُتَّقُونَ إِلَّا المُوقِنُونَ وإِنَّ المُوقِنِينَ لَعَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ )
« 1 » .
الثاني : وقد تقدمت الإشارة إليه عند تفسير قوله تعالى في بدايات هذه السورة : الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [ الزمر : 18 ] . وهو أن القرآن كله حسن ، ولكن بالنسبة إلى ظروف كل شخص وعصره قد يختلف الأحسن ، فعلى سبيل المثال الصلاة والصيام والحج والجهاد و . . و . . كل ذلك مفروض على الناس ، ولكن يتأكد على كل شخص أحد هذه الواجبات أكثر من الآخرين ، وأكثر من سائر الواجبات الأخرى ، فالتاجر ينبغي أن يكون أقرب الناس إلى آيات التجارة والمعاملة وأعرفهم بها ، بينما المقاتل يكون الأحسن له معرفته بآيات الجهاد والقتال ، أما القاضي فالأحسن له المعرفة بأحكام القضاء والحدود وما إلى ذلك ، وهكذا بالنسبة للظروف التي تحيط بالشخص فإنها تحدد له الأحسن ، فمثلا للمجاهد في ظروف التقية ليس الإعلان عن نفسه بل الكتمان والسرية ، إذن فموقع الإنسان وظروفه المحيطة هما اللذان يحددان الأحسن .
الثالث : التوحيد الخالص وهو أفضل ما أنزله الله على خلقه ، وأعظم شيء يتجلى فيه التوحيد هو اتباع القيادة الرسالية الحقة ورفض القيادات المنحرفة ، وفي الخبر في تفسير الآية : وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ قال :
( مِنَ القُرْآنِ وَوَلَايَةِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عليه السلام وَالأَئِمَّةِ عليهم السلام )
« 2 » .
ويبين القرآن بعد نهيه لنا عن اليأس ، ودعوته بالإنابة والتسليم لله ، وأخيرا تأكيدا على اتباع الأحسن ، خلفيات هذه الموعظة وأهميتها بالنسبة للإنسان فيقول : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ فهذا الإنسان الذي يَسدُر في طرق الضلال ، ويسرف في اقتحام الذنوب والموبقات ، رافضا الإنابة والتسليم لله ، واتباع الأحسن ، سوف يجرُّ على نفسه العذاب بألوانه ، وسيفاجأ به ، ليس لانعدام النذر والعلامات الدالة عليه ، بل لأن كثرة ممارسة الذنوب والإصرار عليها يسلب الإنسان أدنى أسباب المعرفة وهو الشعور ، إذ يعيش عمق الغفلة والضلال .
[ 56 ] هذا في الدنيا أما في الآخرة حيث تنكشف الحقائق للإنسان ، فإنه يصل إلى أعلى مراحل الوعي والشعور ، فإنه يكاد يذوب حسرة حين يرى ما أعد الله للمؤمنين به الذين استغلوا فرصة الحياة الدنيا مثل الثواب ، بينما أغفل هو الاستفادة من هذه الفرصة الثمينة وحين
هامش
( 1 ) مستدرك الوسائل : ج 1 ص 99 .
( 2 ) تفسير القمي : ج 2 ص 250 ، بحار الأنوار : ج 24 ص 194 .