يرى ما أعده الله من العذاب للكافرين والمشركين والظالمين .
أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ بالإسراف في الذنوب والتقصير في الواجبات وعمل الصالحات . إذن يجب أن نستفيد من فرصتنا في الحياة ، وإنما السعيد من اتعظ بتجارب غيره . فإذا كان غيرنا قد مضى من الدنيا مقصرا وبالتالي هلك وتحسر ، فلنتعظ به حين يكون الاتعاظ نافعا ، لأنه إذا جاء الموت فإننا لا نستطيع أن نُغيِّر من واقعنا شيئا بزيادة أو نقصان . وحيث يصل الإنسان بعد الموت إلى أعلى مراحل العلم وهي عين اليقين فإنه يكتشف مدى ضلالته وانحرافه عن الحق . وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ أي إنني كنت من الساخرين الذين استهزؤوا بالحق وبأهله وأتباعه .
[ 57 ] ويُحمِّل الله الإنسان مسؤولية هداية نفسه ، بالاستفادة من آياته تعالى ، سواء ما تجلى منها في الكون ، أو الأخرى المتجلية في رسالاته للناس . أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ بلى ؛ إن الله يوفر أسباب الهداية للإنسان كالآيات وكالمصلحين ، أما إذا رفضهم فلن يجبره على اختيار الحق ، في الحياة الدنيا ، لأن الدنيا دار الامتحان والابتلاء ، ثم ليس صحيحا أن ينتظر الإنسان الهداية تأتيه إلى بيته إنما يجب عليه هو البحث عنها وتحمل مسؤولياتها .
ونستوحي من الآية إشارة إلى أن بعضا من الناس سوف يتعذرون بهذا التبرير ، والله يُبيِّن لهم أنه مرفوض عنده ، إذا كنت تريد الهداية فهذا هو الطريق ، أن تتغلب على القنوط ، وتنيب وتسلم لله قبل العذاب أو الموت ، وأن تتبع طريق الحق وأحسن ما أنزل ، وإذا فعلت ذلك فسوف تكون مهتديا ، أما الطرق الأخرى كالانتظار الساذج أو اتباع المناهج المنحرفة في الحياة ، أو الانصياع لقيادة الطاغوت ، أو الإصرار على الذنب تحديا أو قنوطا فإنها كلها لا تنتهي إلا إلى الضلال .
[ 58 ] ولا بد أن يعرف الإنسان قضية مهمة وحاسمة بالنسبة للحياة الدنيا ، وهي أنها الفرصة الوحيدة له التي يستطيع فيها تجربة نفسه وإرادته ، فإن فشل فيها فسوف يفشل في الآخرة ، وإن أفلح فسوف يفوز هناك بنسبة فشله وفلاحه هنا .
أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ الذي لم تره ببصيرة الإيمان حيث كفرت بالحق : لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ وهكذا يكرر القرآن تأكيده كثيرا على أهمية الإحسان لأنه أرفع درجة يصل إليها البشر ، باعتباره يمثل خروج الإنسان عن ذاتياته وأهوائه إلى خدمة الآخرين ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [ التغابن : 16 ] .
من هدى القرآن — صفحة 185
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٨٥