تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
ويستمر السياق القرآني لهذه السورة في بيان نموذجين من الناس ، ويوازن بينهما لنعرف أنهما ليسا سواءً في الجزاء ؛ ولكي يزيدنا وعيًّا بهما وازن بين النور والظلام ، والصلاح والفساد ، ووضح الفوارق بيَّنهما . كما بينت السورة خصائص القرآن ، وكيف تتلقاه النفوس الطيبة ، وكيف يضرب الله فيه من كل مثل للناس لعلهم يتذكرون . وحينما يشرح الله صفات القانتين - وهم أئمة الهدى - وميَّزهم عن أصحاب النار من أئمة الكفر ، عاد إلى بيان أشياعهم ؛ فهناك من يجتنب الطاغوت ، ويستمع القول فيتبع أحسنه ، وهناك من حقّت عليه كلمة العذاب . ثم تذكرنا الآيات بالعقل الذي هو لب الإنسان ، الذي يهدي الله به قوماً ، فيجعلهم من أصحاب الجنة . ويوقظ العقل بآيات الله في الخليقة ، حيث يذكرنا بالدورة النباتية التي تبدأ بنزول الغيث واختزان الماء في الينابيع وإخراج الزروع المختلفة ، وتنتهي بالحطام . وتعالج السورة موضوعاً هاماً آخر ، وهو شرح الصدر إلى الإسلام ، والتسليم لله ولسننه وشرائعه في الحياة ، ليكون الإنسان على نور وبينة من ربه . وتهبط آيات القرآن كالصاعقة على القلب الغافل ، فتفجر فيه طاقات الفهم ، وتثير فيه دفائن العقل ، فتهديه إلى حقيقةالموت الذي يقف لكل حيِّ متربصاً ، ولكن الموت أهون المراحل التي تنتظره ، فوراءه ما هو أعظم ، كالاختصام والحساب والكتاب وربما العذاب الأبدي الكبير . وفي مقطع من مقاطع هذه السورة ، يذكِّرنا ربنا برحمته الواسعة ، وإلى أي مدىً يمكننا الاستفادة منها . أوليس الله أنعم علينا برزقه الواسع ، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة ؟ إن آيات الله في الكون ، ليست دليلًا - فقط - للإنسان على وجود الله ، بل وطريقاً إلى معرفته المعرفة الأسمى أيضاً . وعلى الفرد أن لا يكتفي بدرجة من الإيمان ، بل يتابع مسيرته التكاملية حتى يصل إلى درجة العرفان . وللعرفان أيضاً درجات ، فكلما تفكر الواحد في آيات الله في الآفاق وفي نفسه ، والتحولات والتغيرات التي تحدث لديه ، ازداد يقيناً ومعرفة حتى يبلغ الحد به أن يقول كما قال الإمام علي عليه السلام : ( لَوْ كُشِفَ الغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِيناً ) « 1 » . وبعد ذلك تفتح الآيات لنا باباً من أبواب يوم القيامة الذي لا سبيل للخلاص من عقباته وعذابه إلا بالتوحيد والتقوى . أما الشرك ؛ فإنه يحبط أعمال الإنسان ولو كانت من النبي صلى الله عليه وآله
هامش
( 1 ) بحارالأنوار : ج 40 ، ص 153 .