تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
ليس سوى شذوذ يرفضه كل ما في الحياة ، وتأباه النفوس بفطرتها ، فلكي يخدع الناس به لا بد أن يتكلف ، ويتوسل بأساليب ملتوية ، وكمثال على ذلك : الكاذب ، فإنه وهو يريد الحديث عن شيء غير واقعي لا يصدقه الناس يضطر إلى زخرفة الكلام ، والحلف باليمين المتكررة ، أما الصادق فهو واضح في كلامه مطمئن في نفسه . وحياة الرسول صلى الله عليه وآله تشهد بانسيابه مع الحقائق بالفطرة النقية ، والصراحة البالغة ، والبصيرة النافذة ، فلا يستعجل أمر ربه ، ولا يتكلف حكما ما أنزل الله به قرآنا ، ولا يجبر الله على شيء لم يبلغوا مستواه ، ولا ينازع أحدا حقه أو سلطانه ، ولا يجزع ، ولا يهلع ، ولا يستأثر ، ولا يتصنع ، ولا يغل ، ولا يغش ، ولا يطلب سوى صراح الحق ، وواضح الرأي . وجاء عن أمير المؤمنين عليه السلام فيما يرتبط بهذه الآية أنه قال : ( أَنَّ المُسْلِمِينَ قَالُوا لِرَسُولِ الله : لَوْ أَكْرَهْتَ يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنَ النَّاسِ عَلَى الإِسْلَامِ لَكَثُرَ عَدَدُنَا وَقَوِينَا عَلَى عَدُوِّنَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله : مَا كُنْتُ لِأَلْقَى اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِبِدْعَةٍ لَمْ يُحْدِثْ إِلَيَّ فِيهَا شَيْئا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ ) « 1 » . [ 87 ] وتعرف الرسالة بالرسول الداعي إليها ، فهو الصادق الأمين ، الذي لا يطلب أجرا ولا يتكلف أمرا ، وتعرف الرسالة أيضا بمحتواها ، كما يعرف الرسول بمثل تلك الرسالة . ومن أبرز علامات الصدق في رسالة الإسلام عالميتها فهي تتجاوز الحدود والأطر لتكون لجميع الناس ، فلا عشائرية ، ولا عنصرية ، ولا قومية ، ولا طبقية ، ولا إقليمية ، و . . . ، بلى ؛ إن ما نزل من عند رب العالمين يكون لكل العالمين ، أما ما انبعث من فكر الإنسان المحدود فهو محدود بحدود ذلك الإنسان . إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ والإنسان في كل مكان وزمان فطرته واحدة ، والقرآن يشير إلى هذه الفطرة بما تنطوي عليه من تسليم واعتقاد بالحقائق التي تشتمل عليها ، وذلك عبر التذكير . [ 88 ] وإذا لم يتذكر البشر ويصدق بما جاء به القرآن فهو قد طمس فطرته ، وعطل عقله ، وإنما يكتشف صدق الرسالة بعد الموت ، أو أثناء الحياة عند التجلي الأعظم له . وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ وهذا التحذير المبطن يكفي الإنسان خوفا من عواقب التكذيب بالحق ، وممارسة الانحراف والمعصية ، ويهدي إلى التصديق بالرسالة ، وعدم الاسترسال في الغفلة والضلال .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 5 ص 49 .