قدرة محاربة الشر ، واقتلاع شأفته للبشر ، حيث وهب لهم إمكانية القضاء على إبليس نهائيا في اليوم المعلوم ، وربما تلتقي هذه الحكمة مع ظهور الإمام الحجة عليه السلاموظهور الحق على يديه - بإذن الله - حيث إنه بدوره يعتمد في جانب منه على إرادة أهل الحق والله العالم .
[ 82 - 83 ] وعندها استشاط اللعين غضبا وبعد أن اطمئن للوعد الإلهي بالإمهال ، أقسم بعزة الله على إغواء أبناء آدم ، وإذ يقسم بعزة الرب فهذا دليل على أن معصيته لم تكن عن جهل بعظمته وقدرته تعالى ، إنما مارسها عن وعي وعناد .
قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 82 ) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ والناس أمام إغواء الشيطان على ثلاثة أصناف : فمنهم من يحيط به ، ويستجيب له في كل شيء وهم المشركون والكافرون ، ومنهم ممن تكون مسيرتهم العامة في الحياة سليمة ولكنهم يخضعون له ، ويضعفون أمامه بعض الأحيان وهم أصحاب الدرجات العادية من الإيمان ، ومنهم من لا يقدر على تحريفهم أبدا وهم المخلصون الذين تمحضوا في الإيمان كالأنبياء والأولياء ، والذي يحدد انتماء الإنسان لأي من هذه الفِرَق هو مدى إيمانه وعمله وإرادته ، وهذا الاستثناء من إبليس اعتراف واضح بإرادة الإنسان ، ونسف لجميع الحتميات المزعومة ، لأن ضغوط الشيطان وإغراءاته مع ذلك يستطيع البشر مقاومتها وقهرها بإرادته .
وهذه هي الفكرة المركزية في سورتي ( ص والصافات ) إذ تؤكد السورتان : أن من بين عباد الله عباد خلصوا لله من كل العلاقات المادية والشركية ، فلا سبيل للشيطان عليهم .
[ 84 - 85 ] وفي مقابل قسم إبليس بإغواء العباد قطع الله على نفسه عهدا أن يدخله ومن تبعه جهنم ، وأن يملأها منهم . قَالَ فَالْحَقُّ إن الجزاء حق أولا لأنه يجري أساس سنة الجزاء العادل المنسجمة مع سنن الله في الحكمة في الخليقة ، وثانيا لأنه واقع لا ريب فيه . ثم أكد هذا التعهد بجملة تأكيدية ، وقال : وَالْحَقَّ أَقُولُ بلى ؛ كلام الرب تعبير دقيق عن حقائق الخليقة بلا أدنى اختلاف . لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ولا تعني هذه الآية أن الله يدخل العباد إلى النار جبرا ، إنما هم الذين يختارون طريق الباطل المنتهي إليها ، وإنما أشار الله إلى كثرة من يدخلها لعلمه الذي أحاط بالمستقبل إحاطة تامة ، وفي القرآن تتكرر الآيات التي تشبه هذه الآية ، ومع ذلك يبعد الكثير منا عن نفسه التهمة فيعتقد أن النار خلقت للآخرين ، بينما يؤكد الله على امتلاء جهنم بالعاصين حتى لا يصيبنا الغرور والعجب بإيماننا وأعمالنا فنتوقف أو نتوانى في عمل الصالحات ، وحتى نظل نسعى جهدنا لإنقاذ أنفسنا من جهنم بدافع الخوف من الخزي والعذاب يوم القيامة ، وقد ورد في تفسير الآية الكريمة : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً [ مريم : 71 ] .
من هدى القرآن — صفحة 127
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٢٧