كالفلسفة التي تعتقد بالثنائية الجنسية . . الخ ، وقد تسربت هذه الفلسفة المنحرفة إلى كثير من كتب الديانات ولكن هذه الآيات وأخرى كثيرة تلتقي معها في الموضوع تبين أن إبليس كان حرا في إطار قضاء الله وقدره ، فهو غير قادر على مقاومة الإرادة الإلهية إذا أراد الله ذلك ، لكنها من جانب آخر تؤكد بأنه تعالى لم يجبره على المعصية والانحراف ، بل أعطاه المهلة وحاوره في الأمر إقامة للحجة لعله يهتدي للحق سبيلا .
[ 77 ] فلما رفض وأصر على معصيته واعتزازه الباطل بعنصره ، طرده الله من رحمته ، واسترد منه الاعتبار الذي وهبه له من قبل . قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ والرجيم هو المطرود الذي لا أمل في رجعته ، وربما لو كان ثمة احتمال لعودة إبليس للحق لما أخرجه الله من رحمته ، وأمهله أكثر مما أمهله .
وفي القرآن آية تشير إلى الحكمة الإلهية التي مر ذكرها ، يقول تعالى في معرض حديثه عن عصيانه إبليس : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [ الكهف : 50 ] . والآية تشير إلى أنه كان جنيا ولكنه استطاع الوصول إلى مقام الملائكة ، وذلك بعبادته وسعيه - كما في الروايات - ثم تشير إلى ترديه ومسيرته التنازلية وأن سببها المعصية لله ، وتأكيد الآية على كونه من الجن يهدف تأكيد حريته واختياره ، وكيف أنه علا إلى مقام الملائكة بعمله ثم أهبط بسوء اختياره .
وهذه الآية من سورة ( ص ) والتي تليها تبينان جانبا من العقوبات التي فرضها الله على إبليس وهي :
أولًا : سحب المزايا والاعتبارات التي حصل عليها بعبادته كدخوله الجنة ، واعتباره من الملائكة ، وشمول رحمة الله الخاصة له .
ثانياً : رجمه من قبل الله ، والرجم هو الطرد الذي لا سبيل للعودة بعده - كما مر آنفا - فهو مبعد عن سائر الخلق ، ومعنى ذلك أنهم لا يتفاعلون معه ، وهذه حقيقة علمية يشرحها القرآن بعبارات بسيطة جدا ، يفهمها حتى الطفل المميز ، لأن هدف الآيات هو هداية الإنسان إلى الحق التي لا تتحقق بالعبارات الغليظة المعقدة التي لو استخدمها في القرآن لكان لطبقة معينة ، وهذه الحقيقة العلمية تتمثل في أن عالم المخلوقات يتفاعل مع الحق ويتعاون معه ، أما الشر والباطل فهو شذوذ وشقاق عن مسيرته ، وحيث طرد إبليس - وهو رمز الشرك - بالرجم فإنه لا يكون معه ما في السماء والأرض وما بينهما . إن الأصل في الخلائق الخير لا الشر ، والذي يطيع إبليس فإنما يطيع عنصرا ضعيفا ، والقرآن يصرِّح بهذه الحقيقة عندما يقول : الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي
من هدى القرآن — صفحة 125
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٢٥