[ 15 ] صحيح أن الوالدين هما القناة التي تنتقل عبرها المكاسب المادية ، والخبرات الحضارية للإنسان ، ولكن لا يصح أن يستقبل الإنسان كل ما تحمله هذه القناة إليه من غث وسمين ، لأنها كما تحمل إيجابيات الحضارة التاريخية أو القائمة ، تنقل إليه أيضا السلبيات ، لذلك يؤكد الرب : وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا
إذن على الإنسان أن يكون ذكيا ، يستفيد من المكاسب والمغانم الحضارية القادمة إليه عبر والديه من التاريخ أو المجتمع ، ويترك السلبيات لأنهما على فطرتهما يغذيان الطفل بشتى الأفكار الواقعية والخرافية ، الإيجابية والسلبية ، دونما تمييز على الأغلب ، وهما بذلك يحاولان فرضها على ولدهما ، وهنا تقع على الفرد نفسه مسؤولية مقاومة الضغط ولكن بمعروف : وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً .
يقول الرسول صلى الله عله واله :
( مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى الفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ اللَّذَانِ يُهَوِّدَانِهِ ويُنَصِّرَانِهِ )
« 1 » .
فإذا ما قاوم الابن الأفكار الخاطئة استطاع النمو على الفطرة ، لأنه بذلك يبعدها عما يدنسها من الأفكار الخاطئة ، والتوجيهات السقيمة ، وذلك لا يعني بالضرورة التعدي على الأبوين ، فقد جاء في الحديث :
( إِيَّاكُمْ وَعُقُوقَ الوَالِدَيْنِ فَإِنَّ رِيحَ الجَنَّةِ تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ وَلَا يَجِدُهَا عَاقٌّ وَلَا قَاطِعُ رَحِمٍ وَلَا شَيْخٌ زَانٍ وَلَا جَارُّ إِزَارِهِ خُيَلَاءَ إِنَّمَا الكِبْرِيَاءُ لله رَبِّ العَالَمِينَ )
« 2 » .
وهنا تستوقفني مسألة وهي : إني لا أعلم من أين استخرج البعض أنه تجب طاعة الوالدين طاعة مطلقة أو واسعة تفقده الولاية على نفسه والمسؤولية عن خياراته وحياته ، بينما تخالف النصوص الإسلامية صراحة ذلك ، فهي تأمر بالشكر والإحسان لهما ، أما الطاعة فهي لله ، ولمن أمر الله بطاعته . وولاية الوالدين التي تشير لها بعض النصوص لا تكون إلا ضمن الحدود الشرعية وحيث تكون مصداقاً للبر والإحسان ، وذلك أن الولاية متقومة بالإنفاق على الأولاد ورعايتهم صحيًّا ومعنويًّا ، وهذه من تداعيات الولاية الطبيعية الفطرية ، بيدأن الحكمة الأساس هو استهداف التنشئة على التوحيد .
من هنا نقرأ في كتاب مصباح الشريعة : أن الإمام الصادق عليه السلام قال :
( بِرُّ الوَالِدَيْنِ مِنْ حُسْنِ مَعْرِفَةِ العَبْدِ بِالله إِذْ لَا عِبَادَةَ أَسْرَعُ بُلُوغاً بِصَاحِبِهَا إِلَى رِضَا الله مِنْ بِرِّ الوَالِدَيْنِ المُسْلِمَيْنِ
هامش
( 1 ) من لا يحضره الفقيه : ج 2 ، ص 49 .
( 2 ) الكافي : ج 2 ، ص 349 .