وأول ما يفتتح وصاياه يبين له العلاقة الفاضلة التي يجب أن ينتهجها مع الآخرين والتي تقوم على مبدأ التوحيد ، فيحذره من الشرك ، فالخضوع المطلق لا ينبغي إلا لله سبحانه ، أما البشر فيتقبل توجيهاتهم الصائبة ، ولكن بشرط المحافظة على استقلاليته تجاههم بالتوحيد .
إذن فالتوحيد هو الجوهر الذي يجب على الإنسان اعتماده في كل سلوك فردي أو اجتماعي وهذا ما دعا إليه كل الأنبياء ، ولعل هذا التأكيد على موضوع الشرك في القرآن يرجع إلى عامل مهم وهو أن مشكلة الإنسان في غالب الأحيان ليس الكفر المحض ، فهو يؤمن بإله لهذا الكون ، إنما مشكلته هي الشرك بالله .
وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
ما هو ذا الظلم العظيم الذي يفرزه الشرك بالله ؟ .
إن هناك جوانب خفية ، وأخرى ظاهرة لهذا الظلم .
حقا إن ضياع الإنسان عن ربه الكريم الذي أسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة ، وهبوطه إلى حضيض عبادة الأشياء الضعيفة العاجزة التي لا تنفع ولا تضر إنه لظلم عظيم .
ما الذي نجده لو فقدنا رب العزة وهو الرحيم الودود الذي أحاطنا بإحسانه ، ودعانا إلى نفسه ، ووعدنا المزيد من عطائه ؟ ! .
من هو أشد فقرا وفاقة ومسكنة منا حين نضل عن السبيل الوحيد للهدى والفلاح والغنى والعز والكرامة ؟ ! .
من أكثر عجزا وذلا وهوانا منا لو خرجنا من حصن الرب إلى مسبعة ذئاب القدرة ، وحقل ألغام الثروة ، حيث المستكبرين في الأرض بغير الحق . . الله أكبر .
ما أخسر من ترك متجر ربه وتوجه تلقاء غرور الشيطان ، ورام عن ربه بدلا .
إن علينا أن نتأمل كثيرا لنعرف هول الابتعاد عن الله ، وأخطار الشرك به في عمق ذواتنا ، وفي آفاق حياتنا الشخصية .
لكن هذا الظلم العظيم قد يخفى على من لم يتأمل فيه . بيد أن هناك ظلما عظيما ظاهرا يتجلى للناس جميعا ، ويتمثل في عاقبة النظام المشرك السائد على الإنسانية جمعاء ، هذا النظام العالمي الذي انساقت إليه البشرية حين خرجت عن حصن التوحيد وعبدت رجال الثروة والقوة والضلالة .
من هدى القرآن — صفحة 93
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٩٣