يَغلبُ بِهِ نَفْسَهُ وَيجَاهِدُ بِهِ هَواهُ وَيَحترِزُ بِهِ مِن الشَيطانِ وَكَانَ يُداوي قَلْبَهُ بِالتَفَكُّرِ وَيُدارِي نَفْسَهُ بِالعِبَرِ وَكَانَ لا يَظْعَنُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيه فَبِذَلِكَ أُوتِي الحِكْمَة )
« 1 » .
إن الإحسان الذي افتتحت به السورة هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ إلى الناس ظاهرة تنبع من الشكر لله سبحانه ، ذلك أنه يعني الرضا النفسي والعملي ، الذي ينعكس على السلوك في صورة عطاء وتضحية وجهاد ، مقابلة لجميل نعم الله ، وإحساسا بالمسؤولية تجاهها . ولكل نعمة شكر يختص بها ، تبعا لمعطياتها ، فشكر نعمة العلم نشره وهداية الناس به :
( زَكَاةُ العِلْمِ نَشْرُهُ )
« 2 » ، وشكر الجاه بذله للمحتاجين :
( زَكَاةُ الجَاهِ بَذْلُهُ )
« 3 » . بينما شكر نعمة القوة السعي لتحقيق الأهداف السامية كإقامة حكم الله في الأرض من خلال الجهاد الشامل .
وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنْ اشْكُرْ لِلَّهِ وبذل الإنسان للنعمة في مجالها الذي حدده الله هو الشكر ، وسنن الله في الحياة التشريعية منها والتكوينية تقتضي بذلك نماء النعمة ، فمن حكمة الله أن تسقي السماء الأرض ذات الزرع أكثر من الجرداء ، وأن من يستخدم عضلاته أكثر هو الذي تنمو العضلات لديه بينما تضمر عند الخامل ، وأن من يقرأ أكثر ينمو عقله وفكره ، والذي لا يستفيد من النعم أو يستخدمها في غير مجالاتها المحددة لا تنمو لديه وتكون مضرة له ، كما لو بذل العلم للتباهي أو المال في اللهو واللعب .
وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لان المحتاج للشكر هو الإنسان لا الله المتعالي عن الحاجة ، والشكر هنا يشمل أيضا الناس ، لكن ضمن هدف محدد هو أن يكون ذلك من أجل الله وحده وطلبا لمرضاته وذلك كله يعود على الإنسان نفسه ، بما يسببه الشكر من إنماء النعمة لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ [ إبراهيم : 7 ] .
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ وليس غنى الله كغنى الناس ، لأن الآخر غالبا ما يتأسس على النهب والاستغلال ، أو يصرف في سحق الآخرين وابتزازهم حقوقهم ، وهو غنىً قائم على الاحتياج للغير ، بينما غنى الله ذاتي يتفضل به على الآخرين خيرا ونعمة ، وهذا هو الغنى المحمود .
[ 13 ] ثم تتعرض الآيات لبعض وصايا لقمان عليه السلام لابنه ، والتي تشكل أبعاد الحكمة ، ومفردات الشكر لله .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 13 ، ص 409 .
( 2 ) الكافي : ج 1 ص 41 .
( 3 ) مستدرك الوسائل : ج 7 ص 46 .