وهنا يقول ربنا سبحانه : أَلِيمٍ لأن الإنسان يستكبر ، ويعرض عن الآيات من أجل التلذذ بشهوات الدنيا ، وجزاء ذلك الإيلام في الآخرة ، ويدل انسجام التعابير في موارد العذاب على أن الجزاء من جنس العمل ، وبتعبير أبلغ الأعمال هي التي تتجسد جزاء وفاقا في الآخرة ، بل في الدنيا أحيانا كثيرة .
[ 8 ] وفي مقابل هذا الجزاء يأتي الحديث عن جزاء المؤمنين إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ جزاء لهم على ما أنفقوا من نعيم الدنيا في سبيل الله .
[ 9 ] ويختلف هذا النعيم عن الدنيا بأن الجنة خالدة خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً ويدل على صدق وعد الله عزته وحكمته ، ذلك أن الذي يخلف الوعد إما يكون قاصرا عن تحقيقه والوفاء به ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
وَهُوَ الْعَزِيزُ القوي القادر .
وإما أن يكون عن جهل كأن يعد الإنسان أخاه بشيء ما ثم يكتشف خطأه أنه غير قادر على الوفاء فلا يفي بوعده ، وحاشا لله وهو . . الْحَكِيمُ الذي يحيط علمه بكل شيء .
[ 10 ] ومن آيات عزة الله وحكمته الظاهرة الإبداع والمتانة المتجليان في خلقه .
خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وهذا مما يزيدنا ثقة بوعد الله سبحانه ، فهذه السماء الواسعة خلقها ورفعها كالسقف ، من دون عمد نراها ، وفي الحديث :
( فَثَمَّ عَمَدٌ وَلَكِنْ لَا تَرَوْنَهَا )
« 1 » . وقال البعض : إن المقصود من العمد هو الجاذبية التي تثبت السماء وما فيها بقدرة الله وحكمته .
وحينما ننظر إلى الأرض ، نلمس تجليات صفات الله وأسمائه الحسنى في بديع خلقه فيها .
وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ وهي الجبال ، أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ لكي تحافظ على توازن الأرض ، وتمنع عنها الحركات ، وسميت بالرواسي تشبيها لها بالمرساة ، التي تثبت السفينة في البحر . فالجبال التي تتصل ببعضها من تحت الأرض يجعلها شبيهة بدرع صخري متين ، تمنع عن الأرض الهزات الهائلة التي كانت لولا الجبال تحول الأرض إلى أرجوحة لا تتوقف ، وذلك بفعل الغازات الكثيرة الموجودة في وسط الكرة الترابية ، والتي منها تأتي الزلازل وانفجار البراكين .
من جهة أخرى كانت جاذبية القمر تجعل الأرض لولا الجبال كسطح البحار خاضعة
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 57 ، ص 79 .