من هنا جاء في الحديث المأثور عن الإمام الباقر عليه السلام حول الغناء . . . أنه سئل عن كسب المغنيات فقال :
( الَّتِي يَدْخُلُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ حَرَامٌ والَّتِي تُدْعَى إِلَى الأَعْرَاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ )
« 1 » .
( ولهذا فإن الغناء والموسيقى المطربة قد تجعل الأفراد منتشين أحيانا إلى حد يشبهون فيه السكارى ، وقد لا يصل إلى هذه المرحلة أحيانا ، ولكنه يوجد تخديرا خفيفا ، ولهذا فإن كثيرا من مفاسد المخدرات موجودة في الغناء ، سواء كان تخديره خفيفا أم قويا .
إن الانتباه بدقة إلى سيرة مشاهير الموسيقيين يبين أنهم قد واجهوا تدريجيًّا مصاعب وصدمات نفسية خلال مراحل حياتهم حتى فقدوا أعصابهم شيئا فشيئا ، وابتلي عدد منهم بأمراض نفسية ، وجماعة فقدوا مشاعرهم وساروا إلى دار المجانين ، وبعضهم أصيبوا بالشلل والعجز ، وبعضهم أصيب بالسكتة ، حيث ارتفع ضغط الدم عندهم أثناء عزف الموسيقى ) « 2 » .
[ 7 ] ولا يمكن أن تنطفئ شعلة الهدى من قلب البشر بصفة كلية ، بل لا بد من يبقى فيه وميض من نور العقل مهما تراكمت عليه الشهوات ، هكذا أراد الله أن يقيم الحجة عليه أبدا من نفسه .
فبالرغم من وصول فرعون إلى قمة العناد ، حيث ادعى الربوبية ، ولكنه ما استطاع إطفاء الفطرة داخله ، وإذا به يقول : قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ [ يونس : 90 ] . بلى ؛ يمكن للبشر أن يخالف فطرته في فكره وسلوكه ، لذلك تجده يسعى جادا للانفلات من وخز ضميره ، ويهرب من أسباب هدايته .
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً عنادا منه ، كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا ولم يقل لم يسمعها ، وهذا دليل على الاختيار ، فالإنسان هو الذي يختار بنفسه لنفسه أن لا يسمع نداء الفطرة ولا آيات ربه مع تمكنه من الاستماع لذلك كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً وهو الثقل في السمع أو الصمم ، وهذا الوقر أو الحجاب بينه وبين الآيات يكون تارة بسبب الأفكار المسبقة ، وتارة أخرى بسبب العوامل الآنية كالاستكبار ، وعموما فإن المقاييس الخاطئة التي يعتمدها الإنسان في تقييمه للأفكار والأشخاص والأشياء هي السبب في النتائج الخاطئة فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ .
هناك قال ربنا : مُهِينٌ ؛ لأن جزاء الاستكبار في الدنيا الإهانة في الآخرة ، حتى جاء في الحديث أن الله يحشر المستكبرين في صورة ذر يطؤهم الناس حتى ينتهي الحساب .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 5 ، ص 119 .
( 2 ) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل : ج 13 ، ص 24 - 25 .