أجاب أحدهم على ذلك وقال : إن اختلاف آجال الناس مرتبط بحكمة وجودهم في الدنيا ، وهو تهيئة الإنسان للجنة ، وكأن الدنيا مدرسة ، يدخلها الناس تمهيدا لدخول الجنة .
فبعض الناس ينجحون من أول امتحان ، وبعضهم لا ينجحون في الامتحان الأول فيدخلون الامتحان الثاني ، وهكذا فإن اختلاف الناس في آجالهم هو بسبب مدى استعدادهم ، وتقبلهم ونجاحهم وهذه النظرية جميلة إلا إنها لا توافق القرآن الكريم ، لأن الدنيا كما هي مدرسة تهيؤ المؤمنين لدخول الجنة ، فهي في نفس الوقت مهوى يسقط الكفار منه إلى النار .
وفي بصائر القرآن : الدنيا دار ابتلاء فهي فقط قاعدة امتحان وليست مدرسة .
ولعل الآية هذه تشير إلى أن اختلاف الآجال يرتبط بهذه الكلمة ( الابتلاء ) فالدنيا فرصة للتذكرة ، وكل شخص يعمر بقدر التذكر ( حسب ظروفه ، وبنية شخصيته ) فإذا انتهت الفرصة فإن الحكمة الرئيسية من بقائه تنتهي ، بلى ؛ هناك حكم أخرى : كاستدراج الكفار ليزدادوا كفرا ، وإطالة عمر المؤمنين ليزدادوا ثوابا ، وكأن يكون وجود شخص مفيدا لابتلاء الآخرين ، والله العالم .
واختلفت الروايات في تحديد العمر في قوله : أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ فقالت بعض الروايات أنها :
( لِابْنِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَة )
، وفي رواية أخرى أنها :
( أَرْبَعُونَ سَنَةً )
، وفي رواية ثالثة أنها :
( سِتُّونَ سَنَةً )
« 1 » . ولعل ما قلناه آنفا في اختلاف الناس في التذكر يجمع بين النصوص .
[ 38 ] إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إن الله عالم غيبك ، ويعلم سرك وما يكن صدرك ، كما هو عالم بغيب السماوات والأرض ، فهو ليس بحاجة إلى امتحانك ، ولكن إنما هي فرصة يعطيها الله لكي تجرب نفسك ، وتمتحن إرادتك .
[ 39 ] هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ أي جعل بعضكم يخلف بعضا ، ولعل هذه الآية تدل على أن الأمم تنتهي ، وأن لها آجالا كما للناس آجال محددة .
وأما مقياس آجال الأمم والمجتمعات فهو كما قال ربنا سبحانه : فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ نتيجة الكفر على صاحبها ، وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً يبغضهم الله ويمقتهم ، وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَاراً خسارة في الدنيا والآخرة .
[ 40 ] يظل الشرك بالله الحجاب الكبير الذي يفصلنا عن ربنا ، ويمنع عنا خيرات عبادة الله وحده ، ويذكر السياق بأن الشركاء لا يملكون حق العبادة لأنهم لم يخلقوا شيئا من الأرض ،
هامش
( 1 ) راجع بحار الأنوار : ج 8 ، ص 257 .