كلهم مخلدون ، وأعظم بعقاب يبقى أبدا . إن قليله كثير ، وضعيفه شديد ، فكيف بعذاب النار المتناهي شدة وسعيرا ؟ ! .
وقد جرت سنة الله في عالمنا اليوم أن الجسم يتكيف مع الصعوبات ، وأن لكل شيء أجل وحد ، وكلما اقترب من نهايته خف ، بيد أن عذاب الله لا أجل له ، فلا يخفف أبدا ، ولا يتكيف الجسم معه ، بل يبقى يتألم معه أبدا ( نعوذ بالله العظيم منه ) .
وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ وهنا يذكر السياق صفتين لجهنم ، ويقابلهما بمثلهما للجنة :
الأولى : الخلود لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا .
الثانية : الشدة وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ .
وقد ذكر صفتان بموازاة للجنة : الراحة والخلود .
[ 37 ] ولأن العذاب شديد ومستمر فإنهم لا ينفكون يحاولون التخلص منه للنجاة ، فتراهم يرفعون أصواتهم يطلبون العودة إلى الدنيا ليعملوا صالحا .
وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ كل إنسان في الدنيا يدعي أنه يعمل صالحا ، ولكن حينما يواجه العذاب الشديد هناك يعرف بل ويعترف بأن أعماله كانت غير صالحة .
إن هؤلاء يصطرخون ، والاصطراخ أعظم الصراخ : إن أخرجنا ربنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل ، فيجيبهم الله : أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ أي عمرناكم في الدنيا بقدر يكفي للتذكر ، فلم تتذكروا ، وجاءكم النذير فلم تتذكروا .
قد اختلفت أقوال المفسرين في النذير : هل هو الرسول والقرآن أم هو الشيب وموت الأقارب وتقادم السن أم هو كمال العقل والبلوغ .
ويبدو أن الكلمة مطلقة ، وتوحي بأن الإنسان ينذر بالتالي بطريقة أو بأخرى ، وأن الله لا يتوفاه حتى يكتمل امتحانه فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ .
لماذا الاختلاف في الآجال ؟ فبعض يعيش عشرين عاما ، وبعضهم أربعين ، وبعضهم ستين ؟ .
من هدى القرآن — صفحة 341
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٤١