وينقسم الذين أورثوا الكتاب إلى ثلاث فئات : فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ تساوت حسناته وسيئاته ، وفي حديث مأثور عن أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وآله في هذه الآية في مصير الظالم لنفسه قال :
( أَمَّا السَّابِقُ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَأَمَّا المُقْتَصِدُ فَيُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً وَأَمَّا الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ فَيُحْبَسُ فِي المَقَامِ ثُمَّ يَدْخُلُ الجَنَّةَ فَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَن )
« 1 »
وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وهو المتعبّد المجتهد الذي يصوم نهاره ، ويقوم ليله - كما جاء في حديث عن الإمام الباقر عليه السلام - .
وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ وهو الإمام .
ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ أي : السبق بالخيرات هو الفضل الكبير .
وهذا التفسير للآية يتناسب والسياق ومن علائمه الواضحة الاصطفاء والتوريث ، وتؤيده أحاديث كثيرة عن النبي وأصحابه ، حتى قال الشوكاني بعد ذكرها : وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا ، ويجب المصير إليها ، ويدفع بها قول من حمل الظالم لنفسه على الكافر ، ويؤيدها ما أخرجه الطبراني وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أسامة بن زيد فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ . . . الآية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله :
( كُلُّهُم فِي هذِهِ الأُمةِ ، وَكُلُّهُم فِي الجَنَّة )
« 2 » .
أما تفسير أهل البيت عليه السلام لهذه الآية فنلاحظه من خلال الروايات التالية :
جاء في الأثر عن الإمام الصادق عليه السلام :
( الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ مِنَّا مَنْ لَا يَعْرِفُ حَقَّ الإِمَامِ وَالمُقْتَصِدُ مِنَّا العَارِفُ بِحَقِّ الإِمَامِ وَالسَّابِقُ بِالخَيْرَاتِ هُوَ الإِمَامُ وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مَغْفُورٌ لَه )
« 3 » .
ونعرف من ذلك أن الظالم هنا مغفور له لأن ظلم نفسه لا يبلغ درجة دعوة الناس إلى الضلال ، بل فيه ما في الناس من زلات يطهرها بحسناته ، وهو ظالم لنفسه إذا قيس بالمقتصد ، والسابق بالخيرات هو من عرف واجبه باعتباره وارث علم الكتاب ، وقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال - بعد أن سئل عن الآية وعن معنى الظالم لنفسه فيها - :
( مَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ مِنَّا أَهْلَ البَيْتِ فَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ
فَقُلْتُ : مَنِ المُقْتَصِدُ مِنْكُمْ ؟ . قَالَ عليه السلام :
العَابِدُ لله فِي الحَالَيْنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ اليَقِينُ .
فَقُلْتُ : فَمَنِ السَّابِقُ مِنْكُمْ بِالخَيْرَاتِ ؟ . قَالَ عليه السلام :
مَنْ دَعَا وَالله إِلَى سَبِيلِ رَبِّهِ وَأَمَرَ بِالمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ المُنْكَرِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُضِلِّينَ عَضُداً وَلَا لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً وَلَمْ
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 23 ، ص 213 .
( 2 ) كنز العمال : ج 2 ، ص 486 .
( 3 ) بحار الأنوار : ج 23 ، ص 213 .