مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا فإن رحمة الله لا أحد يستطيع أن يمنعها عنك إذا قدرت لك ، وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ عزيز لأنه قادر ، وحكيم يرسل لمن يشاء ويمسك عمن يشاء ، كيفما يشاء بحكمة وليس عبثا .
[ 3 ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ فهو الذي خلقنا ، وهو الذي يرزقنا ، وفي آيات قرآنية قال الله سبحانه وتعالى : أنه خلق الكون في يومين ، وقدر الأقوات في أربعة أيام ، مما يهدينا إلى أن الذي خلقنا في يومين أعطى ضعف الوقت للرزق ، فلم الخوف إذا من توقف رزقه ؟
فهل من خالق غير الله يرزقنا ، من الذي وزع الثروات في الأرض ، ومن الذي وهب لمنطقة أرضا زراعية ، ولأخرى معادن أودعها ضمير الأرض منذ ملايين السنين ليستفيد منها الإنسان الآن وغدا .
وثقة البشر برزق ربه كفيلة بسد أبواب الشيطان التي يلج منها لتضليله إذ يصور له أن الآخرين يرزقونه .
ولعل هذه الثقة تدفعه إلى البحث عن الرزق في حقول الطبيعة ، ويسعى في مناكب الأرض يحرثها ، ويثير دفائنها ، ويسخر طاقاتها لمصلحته ، ولا يجلس في انتظار الآخرين أن يرزقوه أو يطعموه .
وهكذا تكون الفكرة المستوحاة من الآية أولًا تساهم في تزكية النفس ، بينما تساهم الفكرة الثانية في بناء الحضارة بالاعتماد على رزق الله ، وتفجير الطاقات المهيأة للإنسان .
لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ أين تذهبون ؟ ! وإلى أي إفك وكذبة يدفعكم شياطين الجن والإنس الذين يوحون إليكم بأنهم رازقوكم .
[ 4 ] وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ في الآيات القرآنية تأكيدات كثيرة على هذه الفكرة : ونستوحي من ذلك : أن آراء الناس ليست مقياساً سليماً لمعرفة الحق ، ذلك أن الإنسان يجعل - عادة - آراء الآخرين مقياسا ، فيقول : ما دام الناس يقولون : هذا كذب فهو كذلك ، ومن هنا يؤكد ربنا : وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [ يوسف : 103 ] وإن أكثر الناس قاوموا رسالات الله فأظهرها الله بالرغم من ذلك .
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ وهكذا أكد السياق أن الرازق هو الله ، وأن آراء الناس ليست مقياسا ، وأن الأمور لا تعود إلى هذا أو ذاك ، ممن يتخذهم الناس أندادا من دون الله ، بل إلى الله
من هدى القرآن — صفحة 317
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣١٧