تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا ، والْمَلائِكَةِ : هي القوى العالمة ، الشاعرة ، المطيعة لله ، وبعضهم موكلون بالخليقة ، فللسماء ملك ، وللشمس ملك ، وللبحر ملك ، وللريح ملك ، وللمطر ملك ، وللإنسان ملائكة حفظة وكتبة . وبما أن هذه السورة تذكرنا بتدبير الله - سبحانه وتعالى - للسماوات والأرض كان مناسبا الإشارة إلى الملائكة الموكلين به ، لكي لا يزعم البعض أن الملائكة قوى مستقلة فيعبدوهم من دون الله ، كما عبد بعضهم الشمس ، وبعض القمر ، وبعض النجوم ، و . . و . . هكذا نستوحي من كلمة رُسُلًا أنهم مجرد حملة الأوامر إلى حيث يجري تنفيذها بإذن الله وبحوله وقوته . وكلمة رُسُلًا لا تعني الاختصاص بالرسالة التشريعية ، التي منها ( التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وقرآن محمد ) ولكن الملائكة تتنزل بإذن ربها من كل أمر ، في سائر شؤون الخليقة أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ . جاء في الأثر عن طلحة بإسناده ، يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله قال : ( المَلَائِكَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ جُزْءٌ لَهُ جَنَاحَانِ وجُزْءٌ لَهُ ثَلَاثَةُ أَجْنِحَةٍ وجُزْءٌ لَهُ أَرْبَعَةُ أَجْنِحَةٍ ) « 1 » . ولبعض الملائكة أكثر من ذلك بكثير ، يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في صفة الملائكة : ( إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلَائِكَةً لَوْ أَنَّ مَلَكاً مِنْهُمْ هَبَطَ إِلَى الأَرْضِ مَا وَسِعَتْهُ لِعِظَمِ خَلْقِهِ وَكَثْرَةِ أَجْنِحَتِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَوْ كُلِّفَتِ الجِنُّ وَالإِنْسُ أَنْ يَصِفُوهُ مَا وَصَفُوهُ لِبُعْدِ مَا بَيْنَ مَفَاصِلِهِ وَحُسْنِ تَرْكِيبِ صُورَتِهِ ، وَكَيْفَ يُوصَفُ مِنْ مَلَائِكَتِهِ مَنْ سَبْعُمِائَةِ عَامٍ مَا بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ وَشَحْمَةِ أُذُنِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسُدُّ الأُفُقَ بِجَنَاحٍ مِنْ أَجْنِحَتِهِ دُونَ عِظَمِ بَدَنه ) « 2 » . يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ وقد أكدنا القول في سورة سابقة : أن الكون في حالة توسع دائم ومستمر ، وهذه الآية توحي بأن يد الله مطلقة ، وأن بيده البداء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ 2 ] وما نراه من صنوف الخلائق ، وعجيب صنعها ، وعظيم تقديرها ، وتدبير شؤونها ، يهدينا إلى أن خالقها مقتدر لا يعجزه شيء ، مما يزيدنا ثقة به واطمئنانا لتدبيره ، وسكينة في القلب تساعدنا على تقلبات الحياة ، فلا نقنط بالبلاء ، ولا نستريح عند الرخاء ، ولانطمئن إلى الدنيا وأسبابها التي لا تثبت على حال .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 8 ، ص 272 . ( 2 ) التوحيد للشيخ الصدوق : ص 277 .