وعبر منهج حكيم ، وبهدف شريف هو التوصل إلى الحقيقة ، ولهذا أكد القرآن أن يكون القيام لله وليس لهدف آخر ، إذ من الممكن أن يطلب العلم من أجل المصالح الشهوانية المادية كالشهرة والمال فلا يبلغ الحقيقة ، بينما إذا أخلص الإنسان نيته لله عند بحثه عن الحق هداه الله إليه ، لأن من شروط التفكير السليم الهدف السليم منه ، ولعل هذا هو سبب تقديم النية المخلصة ( القيام لله ) على التفكير .
بعد أن نسف السياق قواعد الجحود ورفع عن الأبصار غشاوات العناد والمعاجزة ثم أمرهم بالتفكر بنية صادقة ، ذكرهم بشواهد صدق الرسول صلى الله عليه وآله ومن أبرزها : إخلاصه في دعوته ، حيث لا يطمع في أجر ، اللهم إلا أجرا يعود إليهم نفعه ، أوليس الكاذب أو الساحر يقترف جريمة التضليل بهدف مادي ؟ ! وها هو الرسول لا يبحث عن أجر مادي فهو إذا صادق .
[ 47 ] ولأن التفكير السليم سوف يقود الإنسان للإيمان بالله ، والالتزام بالدين ، الأمر الذي يكلف شيئا من التضحية كضريبة لتحمل الرسالة ، يؤكد القرآن أن هذه التضحيات تخرج من يد الناس لتعود إليهم بالنفع في الدنيا والآخرة .
قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ وليس للرسول ، لأنه يعمل لله وليس للمصلحة ، وهذا من الدلائل على صدق الأنبياء في دعوتهم .
إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ يلحظ كل جهد وحركة في سبيله ، ليضيف ذلك إلى رصيد الرساليين ، ويثيبهم على عملهم بالتوفيق والنصر في الدنيا ، وبالجنة والرضوان في الآخرة .
[ 48 ] ثم تهدينا الآيات إلى إحدى خصائص الأنبياء في صراعهم مع أنصار الباطل وهي شهادة الله على صدق رسالاتهم ، لأنها حق ، والله يؤيد الحق ، ولمعرفة الرسل بهذه الحقيقة فإنهم يتوكلون على ربهم ، ويخوضون غمار التحديات دون أن يخشوا أحدا أو يخافوا فشلا .
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ على كيان الباطل فيهدمه ، والله . . عَلَّامُ الْغُيُوبِ .
ولأن الرسول يوحى إليه من لدن علام الغيوب ، فهو يبصر ما لا يراه الآخرون ، ويتدرج من نصر إلى نصر حتى يفتح الله على يديه البلاد ، وهذا أقوى شاهد على صدقه ، وأنه يدعو إلى الله الذي هو على كل شيء شهيد ، ولعل خاتمة الآية السابقة كانت تمهيدا لبيان هذه الحقيقة وهي شهادة الله على صدق رسالته .
من هدى القرآن — صفحة 301
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٠١