تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
بينات من الآيات : [ 43 ] يخلط أعداء الرسالة أمرها عادة وأمر صاحبها ، فإذا بهم يتركون الحديث عنها وعن الآيات الواضحة التي تتلى عليهم ويحاولون النيل من رسولهم ( مبلغها إليهم ) . وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ فهم يريدون أولًا إسقاط شخصية الرسول صلى الله عليه وآله في المجتمع ، حتى يتسنى لهم رفض أفكاره ، وذلك عن طريق إثارة العصبيات الجاهلية ، وإنهم لو أفلحوا في ذلك لأوجدوا هدفهم وهو العداء بين المجتمع وبين الرسول ، بحيث يتخذ المجتمع موقفا مسبقا تجاه كل ما يصدر عنه من الأفكار ، وكان هذا وراء كفرهم ، إلا إنهم برروا كفرهم بأن اتهموا الرسول صلى الله عليه وآله . وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى حتى لا يسلم الناس مباشرة للرسالة ، ثم يقوموا بإعطاء المقاييس الخاطئة التي تنتهي إلى نتيجة من جنسها ، ولهذا أسموا الرسالة بالإفك المفترى وهو الكذب المحبوك ، ولما اكتشفوا أن الكذب هو ما يخالف الحقيقة ، وأن الذي يقوله الرسول صلى الله عليه وآله عين الحقيقة ، فكروا في تغيير موقفهم بالبحث عن تسمية أكثر مناسبة من الكذب ، فيها شباهة بالواقع ولو ظاهرا ، حتى يقنعوا المجتمع بأن ما يراه ليس هو الحق ، فلم يجدوا في نظرهم أفضل من تهمة السحر وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [ 44 ] ويبين الله الدافع الحقيقي لهؤلاء نحو تكذيب الرسالة ومعارضتها ألا وهو الجهل ، وفي الحديث قال أمير المؤمنين عليه السلام : ( النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا ) « 1 » . وجهل المجتمع الذي جاءه الرسول صلى الله عليه وآله يتجسد في انعدام الخلفية الفكرية الصحيحة . وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا أي لم تصلهم أصداء الرسالات الأخرى فيستنيروا بها وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ فتكون ثمة بقايا لحركته الرسالية فيهم ، ليقيسوا بينك وبينه فيعرفون الحقيقة ، فإنكار هؤلاء نابع من غرور الجهل لا من أسس علمية ، ولعل في الآية إشارة إلى أن هؤلاء الذين يتغنون بأمجاد أجدادهم ، ويخشون عليها من الرسالة ، لا يوجد في ماضيهم نور المعرفة أو ضياء الرسالة ، فلا ينبغي لهم أن يقلدوا آباءهم البعيدين عن العلم والرسالة . [ 45 ] ثم ينسف الله قاعدة أخرى لكفرهم وهي غرورهم بقوتهم ، وينذرهم بأن القوة الظاهرية لا تمنع عنهم جزاء كفرهم وظلمهم ، وأن الذين كفروا بالرسالات من قبلهم كانوا
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : حكمة : 438 .