[ 49 ] وحين يأتي الحق يزهق الباطل ، ورب أمة تبقى غارقة في الغي والضلال مئات السنين ، لكنها تهتدي للحق إذا جاءها مصلح يحمل راية الحق : قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ فهو مسلوب الإرادة أمام الحق ، وهذا يعني أن ما نراه من غلبة ظاهرية لأنصار الباطل على أنصار الحق ، ليس لقوة فيهم بل لضعف في الطرف المقابل ، فهؤلاء تدعمهم إرادة الله ، وسنن الحياة ، ومنطق الحق ، وكان أحرى بهم ، أن يربحوا المعركة لولا انفصام العلاقة بينهم وبين عوامل النصر .
ولعل معنى وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ : أنه لم يكن - منذ البدء - شيئا ، فهو زهوق بذاته .
وفسروا الآية تفسيرات شتى ، وربما الأقرب ما ذكرناه آنفا ، ويحتمل أيضا أن يكون المعنى : أن الباطل لا يبتدئ في كيان جديد ولا يتجدد كيانه السابق .
[ 50 ] ثم إن الضلالة نابعة من نفس الإنسان ، بما تنطوي عليه من الضعف والعجز والجهل و . . ، بينما الهدى نعمة من الله له ، وإذا ضل الإنسان فإن المردود السلبي للضلالة سيعود عليه .
قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنْ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ وفي الآية تذكرة بالرسالة ، وأنها مبعث الهدى ، وأن الضلالة تعود على صاحبها بالخسار العظيم .
ولعل خاتمة الآية تشتمل على طلب بالهداية ، في أرقى صيغ الدعاء ، بما تشتمل عليه العبارات من تنزيه لله ، واعتراف بالضعف أمامه ، والحاجة إليه ، وأنه مصدر الخير الذي ذروته الهداية للحق ، وأنه السميع لدعاء عبده برحمته ، والقريب في الإجابة بكرمه وجوده .
[ 51 ] وفي نهاية السورة يعود السياق للتذكير بالآخرة ، لأنها أعظم فكرة تعطي التوازن لروح الإنسان وعقله ، ولهذا نجد الذكر الحكيم يؤكد على الإيمان بالآخرة عند حديثه عن مختلف حقول المعرفة .
وإنما يجحد البشر الحق اتباعا لشهواته ، وبحثا عن مصالحه في زعمه ، فإذا عرف أن الجحود ينتهي به إلى نار جهنم فأية مصلحة له فيه ؟
وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ فهم يرهبون يوم القيامة ، ولكنهم لا يستطيعون الفرار من العدالة الإلهية حينئذ .
وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ لأن قدرة الله وحكومته تشمل الكون بأكمله ، فأينما كانوا
من هدى القرآن — صفحة 302
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٠٢