وشكر الله ، ويتمثل الثاني في قصة سبأ وقرى أخرى ، حيث لم تنفعهم الحضارة الزراعية التي أنعم الله بها عليهم ، إنما ازدادوا كفرا بدل الشكر ، وتوغلا في الجاهلية .
ومن اختلاف هاتين القصتين نعرف : أن السلطة - كما القوة - ليست شيئا مكروها أو ممدوحا بذاتها عند الإسلام ، أو في نظر العقل ، إنما موقف الإنسان منها هو الذي يضفي عليها صفة الخير أو الشر ، فإذا اتخذها طريقا للخير كانت خيرا وإلا فشر .
كما نستفيد من واقع القصتين أن هناك أجلين لحياة الإنسان ولما يعطيه ربه من النعم :
الأول : هو الأجل المسمى المحدد عند الله ، وهو العمر الطبيعي للإنسان .
الثاني : الأجل المعلق والذي يستنزله الإنسان بعمله ، فيطول إذا أكان العمل خيرا كالصدقة والإحسان ، ويقصر إذا كان شرا كقطيعة الرحم .
فبالنسبة للحضارات لا تبقى للأبد لأن هناك سنة إلهية عليا تقضي بفناء الإنسان ، وبوار ملكه بعد أن ينقضي أجله المسمى ، قال ربنا سبحانه : وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [ آل عمران : 140 ] ، وقال : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ [ الأنعام : 165 ] .
وهكذا نجد أن الحضارات تسير ضمن دورة معينة ، فعادة ما يعقب نموها وازدهارها التدهور والانحطاط ، والذي يمكننا أن نسميه بالأجل الطبيعي للحضارة .
ولكن الناس كثيرا ما يستعجلون هذه السنة بعصيانهم وكفرهم ، الأمر الذي يسبب موت كثير من الحضارات في ريعان شبابها .
إن قصة سليمان ووالده عليهما السلام صورة للحضارة التي امتدت فترة من الزمن ، ثم انتهت بصورة طبيعية ، بينما قصة سبأ الذي انتهت حضارتهم بسيل العرم صورة مناقضة تجسد النهاية غير الطبيعية . فداود وسليمان عليهما السلام ضربا مثالا للحضارة البشرية النموذجية ، ولما تم المثل انتهت حضارتهم ، فهي بدأت من نشأتها حتى صارت شبابا ثم هرمت وماتت ، لكن حضارة سبأ ماتت في شبابها .
بينات من الآيات :
[ 14 ] أبقى الله نبيه سليمان عليه السلام منتصبا على عصاه بعد الموت ، وذلك بهدف فضيحة الجن الذين كانوا يدعون بأنهم يعلمون الغيب ، ولإبطال الاعتقاد السائد لدى قسم من الناس بأنهم كذلك ، والذي تحول إلى نمط من الثقافة الجاهلية بل عبادة ، ولعل لهذه الحادثة أثرها
من هدى القرآن — صفحة 270
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٧٠