أَدْعُو النَّاسَ إِلَى دِينِ رَبِّي وَأَمَّا النَّذِيرُ فَإِنِّي أُنْذِرُ بِالنَّارِ مَنْ عَصَانِي وَأَمَّا البَشِيرُ فَإِنِّي أُبَشِّرُ بِالجَنَّةِ مَنْ أَطَاعَنِي )
« 1 » . والرسول كما الشمس في المنظومة ، يمثل مركز الإشعاع المعنوي عبر الأجيال . أوليس ينبعث منه نور الوحي إلى الحياة ؟ ! .
وَسِرَاجاً مُنِيراً كما ينبعث إلى كل أفق ، كذلك تشمل معارف القرآن ، وأحكام الشرع ، وتعاليم الرسول كل نواحي الحياة ، ومن هنا نستوحي من كلمتي سِرَاجاً مُنِيراً المناهج المفصلة في رسالة النبي وسيرته .
فالرسول ليس يدعو إلى الله ، ويبشر وينذر فحسب ، إنما يضع أمامنا المناهج التفصيلية التي تقربنا إلى الله ، وتنتهي بنا إلى الجنة ، وتبعدنا عن النار .
والسؤال : لماذا لم يكتف السياق بكلمة سراج ، بل قال : وَسِرَاجاً مُنِيراً ؟ .
الجواب : إنما قال ذلك ليؤكد صفة الإشعاع المستمر في شخصية الرسول ، فقد يكون السراج متقدا ، وقد ينطفئ ، بينما النبي يبقى منيرا يضيء أبدا حتى بعد وفاته ، لأن إشعاعه إنما هو برسالته وسيرته وهما باقيتان عبر الدهور .
[ 47 ] وتجاه هذه الرسالة التي يحملها الرسول ومن يتبعه إلى الناس هناك موقفان :
الأول : الإيمان والتسليم والذي ينتهي بأصحابه إلى الفلاح في الدنيا والآخرة ، ولابد للرسالي أن يبشر من حوله بهذه النتيجة وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً .
[ 48 ] الثاني : العصيان بالكفر والنفاق ، وتجاه هؤلاء يجب على الرسول الاستقامة أمام ضغوطهم ، بل يجب عليه أن لا يغضب عليهم ، أو يحمل في نفسه الحقد ضدهم ، ذلك أنه ينبغي للرسالي أن يكون قلبه قطعة من الرحمة والنور حتى مع أعدائه .
وهذا نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وقد طرده الكفار والمشركون من بكة ، وبعدها من الطائف يقف وقد أدمت الأحجار قدميه ، فيجول ببصره إلى السماء ثم يقول :
( اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُون )
« 2 » ، ثم لما عاد إلى مكة منتصرا لم يفكر في الانتقام ، بل قال كلمته المشهورة :
( اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ )
« 3 » . وهذه هي الاستقامة الحقيقية ، أن يستقيم الإنسان حتى في عاطفته .
وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ أما من أين يستمد الرسالي روح
هامش
( 1 ) بحارالأنوار : ج 9 ، ص 294 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 11 ، ص 298 .
( 3 ) الكافي : ج 3 ، ص 512 .