أم لما هو أشمل من هذا وهو نفي العلاقة المادية بين الرسول وبين أمته كالتي زعمها اليهود في علاقتهم بموسى ، وحسبوا أنها وحدها كافية لشرفهم وكرامتهم عند ربهم ، بل ونجاتهم من جزاء أعمالهم المنكرة ، فجاءت الآية تحصينا للأمة الإسلامية من تسرب هذه الفكرة الشيطانية إلى صفوفهم .
ويبدو أن الإجابة الأولى ظاهر الآية وتفسيرها ، والثانية باطنها وتأويلها ، وكلاهما صحيح ، بلى ؛ إن الرسول سمى نفسه أبا لهذه الأمة حين قال صلى الله عليه وآله :
( أَنَا وَعَلِيٌّ أَبَوَا هَذِهِ الأُمَّةِ )
« 1 » .
ولكن الواضح أن مراد الآية ليس الأبوة المادية بل المعنوية التي تفوق تلك بدرجات ، ولذلك كان الشطر الثاني من الآية هذه يكرس العلاقة المعنوية بين الرسول وأمته .
وهذا يعني أن الصفة الأساسية للرسول ليست أبوته إنما رسالته ، فلا يمكن لأحد أن يدعي نبوته للرسول وبالتالي تميزه عن الناس بها ، إنما يتميز الإنسان بخضوعه للنبي واتباعه لرسالته .
وإذ ننسب فاطمة وأبناءها عليهم السلام بأنهم أبناء الرسول وأهل بيته فليس ذلك فقط لقرابتهم الاجتماعية منه ، إنما لتجسيدهم قيمه ورسالته في الحياة مما جعلهم أبناءه قلبا وقالبا . روحيا وجسديا .
مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وهذا نفي للعلاقة المادية المجردة ، بينما الشطر الثاني من الآية إثبات للرسالة والعلاقات المنبثقة منها : وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ
وفي تفسير الرسول لهذه الآية : قال جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال النبي صلى الله عليه وآله :
( إِنَّما مِثْلي فِي الأَنْبِياء كَمِثْل رَجُلٍ بَنَى دَاراً فَأَكْمَلَها وَحَسَّنَهَا إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَة ، فَكَانَ مَنْ دَخَلَهَا فَنَظَرَ إِلَيْهَا قَالَ : مَا أَحْسَنَهَا إِلَّا مَوْضِعَ هَذِهِ اللبنةِ .
قَالَ صلى الله عليه وآله :
فَأَنَا مَوْضِعَ اللبِنَة ، خَتَم بي الأَنْبِياء )
« 2 » . وهذا يعني أن الكيان الرسالي غير مكتمل من دون الرسول .
وفي نهاية الآية الكريمة يؤكد الله على إحاطته علما بالأشياء ، فما هو معنى ذلك ، وما علاقته بما قبله ؟ .
حينما نراجع آيات القرآن حول الطبيعة نجدها تحدثنا عن النمو والتكامل ، فالسماوات
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 16 ، ص 95 .
( 2 ) تفسير مجمع البيان : ج 8 ، ص 166 .