وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً
[ 22 ] وبعد ذلك يثنى السياق على أهم صفات المؤمنين ، والتي تناقض صفات المنافقين وأهمها :
أولًا : أنهم لا تكسرهم الأزمات ، ولا ينهزمون أمام الصعوبات مهما كانت ، فهم يعرفون بأن ذلك كله من طبيعة طريقهم ( ذي الشوكة ) فكلما رأوا المصاعب تتزاحم في طريقهم كلما ازدادوا يقينا بصحة طريقهم ، وتسليما لربهم وقيادتهم .
ولعل المؤمن يبحث عن ساعة حرجة يجرب فيها نفسه ( إيمانه وإرادته ) وبالتالي يظهر فيها كفاءاته الرسالية الحقيقية لوجه الله وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ لم ينهزموا كما فعل المنافقون ، بل ازدادوا يقينا بخطهم قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ .
ومن هذا نستفيد أن التربية الرسالية السليمة هي التي تصارح الإنسان بطبيعة المسيرة ، وأنها محفوفة بالمخاطر على صعيد الدنيا ، مما يساعد الفرد على الاستقامة حين الأزمات والمصاعب ، لأنها حينذاك لن تكون مفاجئة له ، بل سيعتبرها أمرا طبيعيا وقد استعد لها فهي مما تزيده تثبيتا على طريقه ، لهذا كان المؤمنون يزدادون إصرارا على مواصلة الدرب برغم الواقع الصعب حيث كان العدو قد جمع لهم ، وجاء لحربهم بكل قوته ، وبرغم الحرب النفسية التي كان يشنها المنافقون ضدهم . وحين يرى المؤمنون الصعوبات والأزمات وقد وعدهم الله ورسوله بها يتيقنون بالفرج لأنهم وعدوا به أيضا ، وتحقق الوعد الأول يدل على تحقق الآخر قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ردا على المنافقين ، وإخمادا لأهواء النفس .
ألم يعدهم الرب سبحانه بالمواجهة التي تنتهي بالنصر المؤزر ، إن أعظم عامل للصمود في الظروف الصعبة التنبؤ بها ، والاستعداد النفسي مسبقا لمواجهتها ، وها هم المؤمنون في هذا المستوى ، وكما النار تفتتن الذهب ، وكما المبرد يلمع زبر الحديد ، كذلك مواجهة المشاكل تستخرج معدن المؤمن الصافي ، وتجلي نفسه من أدرانها ، هكذا زادت الحرب مع الأحزاب إيمانهم وتسليمهم وَمَا زَادَهُمْ تجمع الأحزاب ، وتخذيل المنافقين وتوهينهم إِلَّا إِيمَاناً بالله ، ورسالاته ، والصراط المستقيم الذي هم عليه وَتَسْلِيما لربهم وقيادتهم ، وحينما ندرس حياة الشعوب نجدها نوعين : فبعضها حينما يتعرض للضغوط والتحديات ينهار ، والبعض الآخر - على العكس تماماً - يزداد قوة وثباتا ، وتحديا ، ويعود هذا الاختلاف لنوعية الثقافة التي يؤمن بها ويمارسها كلا النوعين . فبينما يمارس النوع الأول ثقافة التخاذل ، يمارس النوع الثاني ثقافة التحدي ، والمؤمنون الحقيقيون هم الذين يتمسكون بثقافة التحدي ، فإذا بهم كلما تراكمت
من هدى القرآن — صفحة 186
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٨٦