تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
العقبات والمشاكل أمامهم كلما فجروا طاقاتهم ، وسدوا ثغراتهم ، واستعدوا لمواجهتها ، كما إنهم عند المصاعب يكتشفون أنفسهم ، والطاقات التي أودعها الله فيهم ، ويستثمرون كل ذلك في سبيل الانتصار على الأزمات والتحديات . [ 23 ] ثانياً : إنهم لا يفكرون في أنفسهم كأفراد ، إنما كقيم وكجماعة وكأمة ، فلا يفكر أحدهم في ذاته . إنه ربما يقتل في المعركة ، إنما يقول : إذا قتلت فسوف يأتي الآخرون ويتابعون مسيرتي ( فالمهم عنده أن تنتصر القيم ، لا أن ينتصر هو نفسه ) وإذا بقيت فسوف أرث الشهداء الذين أريقت دماؤهم في هذا الطريق ، وأتابع دربهم ، وأفي بحقوقهم ، فأنا مسؤول أمام الله عما أرثه من دماء الشهداء . فشعور المؤمن إذن شعور اجتماعي لا فردي . مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وصار شهيدا في سبيل الله ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ لقاء الله ويستعد له ، فالمؤمنون متماسكون كالبنيان المرصوص ، بعضهم يمضي ويبقى البعض الآخر ليكمل مسيرته ، دون أن يفكر أحدهم في نفسه وشهواته ، ويقول لماذا أنا الذي أقتل وليس فلان ؟ ولماذا أنا الذي أقتل ويبقى فلان يتنعم بالنصر والمكاسب ؟ كلا . . فالقضية قضية صراع مستمر كل واحد يؤدي دورا معينا فيه ، والمجموع الكلي هو المهم عندهم جميعا . وهذا نابع من اعتقاد المؤمنين بأنهم باعوا أنفسهم لله ، فهم لا يملكونها ، ولا يحق لهم أن يفكروا في مصالحها ، إنما يتصرف فيها ربهم وقائدهم حسبما تقتضيه القيم الإلهية ، فهم مسلمون الأمر لله ولقيادتهم ، وهذا الإيمان هو الذي يبعث فيهم الاستقامة والصمود في الطريق وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا . [ 24 ] وبعد هذا العرض الصريح والمختصر لجانب من صفات المنافقين وبعدهم المؤمنين ، يشير السياق القرآني إشارة إلى جزاء كل من المؤمنين والمنافقين إذ يقول : لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ ولكن ليس بانتمائهم الاجتماعي الظاهر لحزب المؤمنين ، بل بعملهم الذي يتجانس مع تسميتهم وانتمائهم الحقيقي بِصِدْقِهِمْ وتعالى الله أن تختلط عليه الأوراق ، بلى ؛ نحن البشر قد تغرنا المظاهر ، فنسمي أنفسنا أو الآخرين بالصادقين ، لمجرد حضورهم في تجمع مؤمن ، ولكن الله وهو عالم الغيب ورب العالمين لا يعزب عنه مثل ذلك . وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ بنفاقهم في كلامهم وعملهم ، أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إذا صححوا مسيرتهم ، وعادوا عن النفاق إلى الإيمان ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً فهو يقبل التوبة الصادقة ، لأنه لم يخلق الناس ليعذبهم ، بل ليرحمهم كما في الآيات والأحاديث .
من هدى القرآن — صفحة 187 | السيد محمد تقي المدرسي