تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
تعزم وتقرر ، ولكن ليس وفق أهواء الآخرين ولا حتى أهوائها ، إنما وفق هدى الله ووحيه . إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً وكفى بهذا باعثا للإنسان نحو تقوى الله وخشيته . ولعل اسم الخبير يوحي بمعرفة حقيقة العمل صالح أو فاسد . [ 3 ] وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ لكي تتمكن من الاستقامة ، وتحدي ضغوط الآخرين . وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا وقد تكررت هذه التذكرة بالتوكل عشرات المرات في القرآن ، بأن يذكر الرسول بالتوكل وعدم اتباع أهواء الآخرين . فليست مشكلة القائد أن يتبع هواه ، بمقدار ما هي اتباع أهواء المحيطين به ، لأنه يجسد الروح الجماعية في من يقودهم ، فهو عادة ما يتجرد عن هواه ، ولكنه يخضع لأهواء تلك الروح التي يجسدها بقيادته ، ولذلك نجد التعابير القرآنية تؤكد على هذا الخطر : وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [ الأحزاب : 48 ] ، وقال أيضا : وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ [ المائدة : 49 ] . [ 4 ] ثم يظهر السياق رفض الإسلام للازدواجية في الشخصية إذ يقول : مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ فإما أن يتلقى توجيه المنافقين والكفار ، أو يتبع رسالة الله ، أما الالتقاط فهو مرفوض في منطق الإسلام ، فكما أن قلب الإنسان واحد وعواطفه واحدة ، كذلك يجب أن تكون حياته منسجمة مع بعضها ، وبتعبير آخر يجب أن يرعى البشر الفطرة التي خلقها الله فيه ، وهو يضع القوانين لنفسه . ويربط القرآن بين هذه الحقيقة وبين قوله تعالى حاكيا عن الأسرة : وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمْ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ كتجلٍ لها . فكما لم يجعل الله لرجل قلبين في جوفه ، فلا يستطيع أن يحب ويكره رجلا بصورة شاملة في آن واحد ، ولا أن يفكر في أمور متعددة في وقت واحد ، كذلك لا يمكن أن يجعل زوجته وأمه امرأة واحدة ، فيجب أن يكون الأمر حسب الواقع الفطري الطبيعي لا حسب ما يقرر الشخص نفسه . والظهار الذي تشير إليه الآية هو قول الرجل لزوجته : أنت علي كظهر أمي ، أو كظهر أختي . وهذه من العادات الجاهلية ، كما توجد عادة أخرى وهي جعل الآخرين أبناء لمن يتبناهم ، لكن القرآن لا يقرها بل يرفضها . وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ فالابن لا يصير دعيا لوالده ، والدعي لا يصير ولدا لمن يدعيه ، وتبين الآية أن هذه العادة ليست مما يتفق مع تعاليم الله ، ولا فطرة البشر ، إنما هي