الثاني : هو العذاب المادي ، ونجده في ختام الآية : وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[ 15 ] ثم يأتي الحديث عن بعض صفات المؤمنين المهمة :
الأولى : التسليم والخضوع للحق
إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ والمقصود من السجود هنا ليس معناه الظاهري وحسب ، بل حالة التسليم للحق التي يرمز لها هذا السجود ، والمؤمنون الحقيقيون لأنهم يبحثون عن الحق والهدى فإنهم يسلمون له بمجرد أن يذكروا به ، مهما كان ذلك مخالفا لأهواء النفس والمصلحة .
وتوحي كلمة خَرُّوا - التي جاءت من أصل خرير الماء ، وهو صوته عند نزوله ( مثل صوت الشلال ) كما يقول الراغب « 1 » - إلى أن المؤمنين يتلقون الأرض بمساجدهم ، كما يخر الشلال ، وهم يولولون بالتسبيح لعمق تأثير الذكر فيهم ، بلى ؛ كلما زادت معرفة البشر بربه ازداد معرفة بصغر نفسه ومدى حاجته ، وانعكس ذلك في صورة وقوعه لربه ساجدا .
وهكذا وجبت السجدة لله في أربع سور هذه واحدة منها ، اقتداء بأولئك الرجال الكرام الذين يخرون لربهم ساجدين .
وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ فلسجودهم مظاهر خارجية اجتماعية ، بالإضافة إلى الصفة النفسية التي يخلفها ، ومن أبرز هذه المظاهر التواضع الاجتماعي ، الذي يمثل امتدادا للتسليم للحق .
الثانية : التبتل إلى ربهم في الأسحار
[ 16 ] تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ إنهم يقاومون النوم ، لعلمهم بأن الدنيا دار العمل ، وليس دار الاسترخاء والراحة ، وأنها الفرصة الوحيدة التي يحدد الإنسان فيها مستقبله الأبدي ، ولأن المضجع هو حالة التوقف عن السعي والعمل فإنهم يرفضونه ، وكلمة تتجافى آتية من الجفاء ، وهو بمعنى انقطاع العلاقة بينهم وبين النوم ، وهذه الصفة نابعة من نظرتهم الجدية للحياة ، فكيف يصير الإنسان أسير الفراش وهو يعلم بأن مستقبله قائم على ما يقدمه في هذه الحياة ؟ ! .
هامش
( 1 ) مفردات غريب القرآن : ص 144 .