وكلمة أخيرة : نجد في آيات هذا الدرس غرة الجمال وغاية الروعة ، فبعد أن ذكرتنا الآية الأولى بأن القرآن آيات مبينات ، ومثل وموعظة ، بصرتنا الآية الثانية تجليات نور الله في السماوات والأرض . . ومثلا منها تجلى بالوحي في مشكاة قلب الرسول فإذا به نور على نور ، وبعد أن ذكرتنا آية النور - التي سميت السورة بها - بتفاصيل هذا النور فسرتها بالمثل الواقعي لتجسيد هذا النور :
ألف : فهذه بيوت النبوة سمت بذكر الله ، إنه مثل للمشكاة تستقبل المصباح : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ .
باء : ويزهر فيها ذكر الله كما المصباح يشع في المشكاة : فِيهَا مِصْبَاحٌ .
جيم : والصالحون في هذه البيوت هم سور ذكر الله ، كما الزجاجة للمصباح ، وهم في ذات الوقت حصون الدين ، وأوتاد العلم والفضيلة : الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ .
لذلك هم يسبحون ربهم بالغدو والآصال لا تلهيهم تجارة ولا بيع .
دال : وتعلو شعائر الله على أكتافهم من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وتلك الشعائر وقود مسيرة التوحيد ، وزيت اتقاد نور الوحي في الآفاق : يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ .
هاء : ثم يبصرنا السياق بجزاء هؤلاء وأن الله يزيدهم من فضله : نُورٌ عَلَى نُورٍ .
ويبين القرآن صفات الكفر في الطرف الآخر من الصورة ليرينا مدى اتساع الهوة بين الطرفين :
الأول : فبينما نجد هنا المشكاة أو البيوت الرفيعة ، لا نجد هنالك إلا سرابا لا حقيقة له في قيعة ، لا سور ولا حدود واضحة ، ولا موانع طبيعية .
الثاني : وهنا يتسع النور ، أما هنالك فظلمات فوقها ظلمات . أمواج البحر تغشاها سحب الليل .
الثالث : وهنالك بيوت رفيعة ، يجللها نور الرسالة ، ويسمو بها ذكر الرب على شفاه رجال متعالين عن الدنيا ، يجب على العباد احترامها ، وتعظيم أهلها ، وطاعتهم ، أما هنا فظلمات بعضها فوق بعض ، لا تأوي من شر ولا تحمي من خطر ، وهم الطغاة وولاتهم الظلمة الذين يجب البراءة منهم ، وقد جاء في تفسير أئمة الهدى أن الظلمات
« فِتَنُ بَنِي أُمَيَّةَ »
« 1 » ، ويجري في من يتبع النهج الأموي الجاهلي من الطغاة والظلمة .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 1 ص 195 ، تفسير القمي : ج 2 ص 106 .