وما إلى ذلك تهدي الإنسان إلى سر الحياة .
وهكذا التحولات الاجتماعية والسياسية الكبيرة ، كنشوب الحروب وسقوط دول وقيام أخرى ، تعكس سنن الله في المجتمع ، لأن قوانين الحياة وأنظمتها إنما تكتشف في هذه اللحظات ، فهل يعرف المنظرون السياسيون القوانين التي تحكم عالم السياسة إلا من خلال الأحداث والتحولات الهامة ؟ .
ينزل المطر ، وتدب الحياة إلى الأرض الجرداء فتخضر ، وتغنى الطبيعة على أديمها وتنشط فيها الدواب والطيور . إن هذه التحولات تفيض معاني جديدة على القلوب الطاهرة . فتسبح ربها وتكبره .
وحين يعلم الإنسان زخارف الحياة ومباهجها تتغير باستمرار ، فلا ملك يدوم ولا ثروة تبقى ولا جاه يستمر فيها ، آنئذ لا يطمئن إليها ، بل يطمئن إلى الحي الذي لا يموت ، فلو عقل الملك زوال الحكم ، والغني زوال الثروة ، لما استبد أو بخل ، ولما استكانت نفسه أو اطمأنت إلا إلى خالقه ، الحق الذي لا يتغير .
وهكذا يذكرنا الرب بسبحات الخلائق فيقول : أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ تسبح بحمد الله ، وهذه الآية تدل على أن كل مخلوق قادر على التسبيح ، وإنما وصف الله غير ذوي العقول بوصف ذوي العقول ، ليدلنا على أن لكل حي شعور بقدره يسبح به ربه قال تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ الإسراء : 44 ] .
إن رهافة سمع أولي الأبصار تجعلهم يسمعون تسبيح كل حي في السماوات والأرض ، لأنهم يتجاوزون المظهر إلى اللب ، ويعبرون الدلالات إلى الحق والشواهد إلى الغيب ، فبالنسبة إليهم لا تعني حركة الأسماك في البحار ، ولا صراع الوحوش في الغابات ، ولا رفرفة الطيور في الفضاء ، مجرد نشاط عابث من أجل البقاء ، إنما فيه أيضاً محتوى رباني ، وأبعاد فوق مادية ، إنه تسبيح وصلاة وسعي نحو الأعلى .
كيف لا يسبح ذلك القلب الزكي الذي لا يلتفت إلى حي حتى يسمع منه التسبيح ، ويرى منه الصلاة والتبتل وإذا وجد بلاء يصيب واحدا من الأحياء عرف إنما أصيب لأنه نسي ذكر الله .
جاء في رواية عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال :
« مَا مِنْ طَيْرٍ يُصَادُ فِي بَرٍّ وَلَا بَحْرٍ وَلَا
من هدى القرآن — صفحة 58
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٥٨