لذلك جاء في الحديث في تفسير الآية عن الإمام الصادق عليه السلام قوله :
« يَمْشِي بِسَجِيَّتِهِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْهَا لَا يَتَكَلَّفُ وَلَا يَتَبَخْتَرُ »
« 1 » .
فعباد الرحمن يحبون حتى الأرض التي يضعون أقدامهم عليها . ولما يتعاملون به من خفة مع الأرض ، لا يسحقون حتى النمل ، ولا يقتلون حتى النبتة الصغيرة ، ولا ينفرون الحيوان ، بل يمشون عارفين بمواقع أقدامهم .
هذا بالنسبة للأرض ، أما بالنسبة للمجتمع فإن علاقتهم علاقة رفق مع الآخرين ، وخلفية كل ذلك أنهم يتكيفون مع السنن والقوانين الإلهية الثابتة ، في علاقاتهم مع الطبيعة والمجتمع ، مقتنعين بوجود سبل وأساليب ينبغي العمل وفقها ، والسير في إطارها للاستفادة من الإمكانيات الهائلة المودعة من قبل الله في الطبيعة ، وينعكس ذلك أيضاً على مواقفهم الاجتماعية والسياسية ، فلأنها نابعة من فطرتهم النقية التي ترفض التكلف والتبختر فإنها مشية معتدلة . لا تظاهر فيها ولا صخب . جاء في الحديث المأثور عن الإمام الباقر عليه السلام : عن مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ سَلَّامٍ قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليه السلام عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً قَالَ عليه السلام :
« هُمُ الْأَوْصِيَاءُ مِنْ مَخَافَةِ عَدُوِّهِمْ »
« 2 » .
وهذا خلاف ما يفعله الآخرون ممن لا تشملهم الآية الكريمة وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ فإنا نجد علاقتهم مع الطبيعة والمجتمع علاقة قائمة على أسس فاسدة من الخشونة والعنف ، واستغلال الناس ، وتوجيههم منصرفا إلى التمرد على الأنظمة والقوانين الطبيعية ، مما نرى آثار ذلك في إفساد العلاقات الاجتماعية ، وانتشار التوتر والحروب بين الدول المختلفة .
- 2 الرفق
وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً لأن علاقتهم علاقة السلام والأمن فإنهم يجيبون الجاهليين - ممن يخاطبونهم بالجهل - بقولهم : سلاما ، وقيل : إن المقصود بالسلام سلام الوداع ، أي أنهم ينصرفون عن الجاهل بعد السلام عليه ، عندما يحتكون به دون مبادلته جهلا بجهل .
ولكن الأقرب إلى قوله تعالى : قَالُوا سَلاماً أنهم يبدؤون كلامهم وعلاقاتهم مع الناس عن طريق السلام ، وهو إضفاء حالة من الأمن على العلاقة الإيجابية مع الطرف الآخر .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 24 ، ص 132 .
( 2 ) الكافي : ج 1 ، ص 427 .